شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (8)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

حاوِل وأنتَ على الصفا أن تستحضر مدى الافتقار إلى الله الذي كانت عليه هاجر -عليها السلام-، مع الثقة في وعده، واليقين في جوده وكرمه، واجتهِد أن يكون لك نصيب مِن ذلك؛ فإن مِن أَجْلِ صعودها الصفا، وسعيها بيْن الصفا والمروة، سعى الناس بينهما وصار ذلك مِن شعائر الله: ( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) (البقرة:158) ، وأحوال القلوب أعظم مِن حركات الأبدان.

ثم تنتظر الفرج وهو يتأخر لمزيدٍ مِن العبودية؛ فانتظار الفرج عبادة؛ تستحضِر في سعيك كلَّ ما تنتظره مِن فرج لك ولأمتك، واعلم أنه قريب، لكنه يتأخر لتعبد الله -عَزَّ وَجَلَّ- بانتظاره، وتأخذ بالأسباب المتاحة، مع كمال التوكل وحسن الظن بالله.

ولم تستطع هاجر أن تسعى سعيًا سريعًا إلا في بطن الوادي -بيْن العلامات الخضراء اليوم-؛ سعت سعي الإنسان المجهود، ليس عندها مزيد طاقة.

ثم تَضَرُّع آخر عند المروة، ونَظَرٌ وبحثٌ عن تحقيق موعود الله الذي لا يضيع أولياءه، حتى تكتمل سبعة أشواط، آخرها عند المروة، فتسمع صوت الملك؛ بداية الفرج: حصول الرجاء في رحمة الله، ثم تُكَلِّم مَن لا تراه: ( إِنْ كَانَ عِنْدكَ غَواثٌ فأَغِث ).

وفي رواية في غير الصحيح: أن جبريل ظَهَر لها فقال لها: ( مَنْ أَنْتِ؟ ) قَالَتْ: ( أَنَا أُمُّ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ ) (أخبار مكة للفاكهي) ؛ لم تذكر حتى اسمها، ولم تذكر أباها ولا وطنها ولا أهلها، لم تقل أنا هاجر المصرية بنت فلان؛ لم تذكر إلا ارتباطها بإبراهيم -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فنحن والله لا قيمة لنا إلا بقدر ارتباطنا بالأنبياء -عَلَيْهِم السَّلَامُ-، وخاصة خاتمهم محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي أحيا الله به مِلَّة إبراهيم ومِلَّة جميع الأنبياء، المِلَّة الواحدة: الإسلام، فلننسَ أنفسَنا وأهلينا وأموالَنا وأقوامَنا وأوطانَنا، ولنذكر اتباعَنا لمحمدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإبراهيم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلنحاول أن نقول بقلوبنا كل صباح ومساء كما علَّمَنا النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَسَلَّمَ- حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

ثم قال لها جبريل: ( إِلَى مَنْ وَكَلَكُمْ إِبْرَاهِيمُ حِينَ ذَهَبَ؟ ) فقالت: ( إِلَى اللهِ ). فقال: ( وَكَلَكُمَا إِلَى كَافٍ ) ) (أخبار مكة للفاكهي) . تذكير لها بمَن رضيت به ربًّا تتوكل عليه لا يضيع مَن أطاعه واستجاب لأمره، وهكذا تحصل المنازل العالية بالعبودية والطاعة مع كمال التوكل والاستعانة بالله، وتحصل خيرات الدنيا والآخرة.

ثم يضرب جبريلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- الأرضَ بجناحِه أو بعَقِبِه -والله أعلم- أو بهما؛ فتنبع "زمزم" المباركة، طعام الطعم وشفاء السقم، ماؤها لما شُرِب له، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) ؛ آية مِن آيات الله العجيبة، العظيمة حول بيت الله الحرام.

وتأمَّل أثرَ الحرص الذي كان مِن هَاجَر حين تقول لها: "زمِّي زمِّي" مع أنه كان مبررًا؛ مِن شدة عطشها وخوفها على قطرة الماء، ولكن قدَّر الله بسببه أن لا تكون "زمزم" عينًا معينًا ونهرًا جاريًا.

( رحِم اللَّه أُمَّ إِسماعِيل ) دعوة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لها بالرحمة تَعرف بها سعة قلوب الأنبياء وعذرهم للخلق، والنظر إلى الجانب الإيجابي الذي حصل منهم في طاعة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

ثم يأتي التأكيد على إنجازِ الله وعدَه في قول جبريل لهَاجَر: ( لاَ تَخَافُوا الضَّيْعَة، فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتًا للَّهِ يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلاَمُ وأَبُوهُ، وإِنَّ اللَّه لاَ يُضيِّعُ أَهْلَهُ ).

ولنتأمل في وقوف رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الصفا يتذكر -فيما يذكر الله به- إنجازَ اللهِ وعدَه وصدقَه عبدَه، يجهر بكلمة التوحيد والتكبير التي نادى بها منذ سنوات يدعو قريشًا إلى الله مِن على جبل الصفا، ويناديهم: ( أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّار، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) (رواه مسلم) ؛ امتثالًا لأمر الله: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (الشعراء:214) ، وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، حتى يقول له عمه أبو لهب: ( تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ) (متفق عليه) ، وبعد هذه السنوات الطويلة يقف الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حوله أكثر مِن مِائةٍ وأربعينَ ألفًا مِن المسلمين يريدون النجاة مِن النار بالإيمان والتوحيد، واتباعه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"؛ تذكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نعمةَ الله وحَمْدَه وقدرتَه بعد ذكر وحدانيتِه وتكبيرِه وعظمته، وذَكَر نعمتَه بهزيمة الأحزاب.

وذكر هَاهُنا خصيصًا "وحده"؛ ذلك أنه لم تكن أسبابٌ مِن البشر، ولنتذكر ليلة الأحزاب وهو يطلب مِن الصحابة مَن يأتيه بخبر القوم ويكون رفيقه في الجنة فلا يتحرك أحد! ثلاث مرات، حتى يعين حذيفة ليأتيه بخبر القوم الذين تفعل بهم الريحُ ما تفعل، وتفعل بهم جنودُ الله ما تفعل ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب:9) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية