شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (48) أسباب مشاركة بعض العلماء وأهل الفضل في ثورة ابن الأشعث

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد شارك عددٌ كبيرٌ مِن أهل الفضل في ثورة ابن الأشعث، منهم العلماء، ومنهم القٌراء، ومنهم العٌباد والزٌهاد المشهورين بكثرة التعبد، ومنهم مَن كان يحرِّض على الحجاج، ولكنه لم يخرج مع ابن الأشعث ولم يبايعه، ويذكر خليفة بن خياط، أن عددهم بلغ خمسمائة عالم، ولعل هذا العدد يشمل العلماء والقراء وأهل الصلاح (تاريخ خليفة بن خياط) ، فقد ذكر الذهبي أن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، الصحابي الجليل، قد كان ممَن يؤلب على الحجّاج ويدعو إلى الانضمام إلى ابن الأشعث (سير أعلام النبلاء) .

وذكر ابن كثير -رحمه الله-: أن الحجاج توهم أن أنس بن مالك -رضي الله عنه- كان له مداخلة في الأمر (البداية والنهاية) ، ومِن الذين شاركوا أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي -رحمه الله-، فقد شارك مع ابن الأشعث، وقيل: قتل يوم الزاوية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى -رحمه الله-، كان مِن كبار المشاركين في تلك الحركة المحرضين على القتال فيها، وتوفي بوقعة الجماجم حيث اقتحم به فرسه الفرات فغرق -رحمه الله- (الطبقات لابن سعد) ، وكذا الإمام الشعبي -رحمه الله- حيث قال: فلم أزل عنده -أي الحجّاج- بأحسن منزلة حتى كان شأن ابن الأشعث، فأتاني أهل الكوفة، فقالوا: "يا أبا عمرو، إنك زعيم القراء، فلم يزالوا حتى خرجت معهم " (سير أعلام النبلاء) .

ومنهم: سعيد بن جبير، ممَن شارك مع ابن الأشعث، وكان يحضض على القتال، ونجا مِن القتل وتوارى عن الحجّاج مدة، ولكن تمكن منه عندما قبض عليه والي مكة وأرسله إليه فقتله الحجّاج سنة 94هـ (1) ، وقد كان لمشاركة العلماء في هذه الحركة -بهذا الحجم- أثر كبير على الحركة، كما كان للعلماء المشاركين أثر كبير في ميدان القتال، فكانت لهم كتيبة خاصة بهم تسمَّى كتيبة القراء، وقد لقي الحجّاج وجيشه عنتًا ومشقة مِن كتيبة القراء.

هذا وقد انضم إلى ابن الأشعث طوائف كثيرة وفئات متنوعة، تحركها دوافع مختلفة، ولكن الدوافع التي حركت العلماء كانت دوافع شرعية بحسب ما وصل إليه اجتهادهم، وقد كان القاسم المشترك لكل هذه الدوافع شخصية الحجّاج، الظالمة الجائرة المتغطرسة، المتعطشة لسفك الدماء، ولذلك كان العلماء ينقمون على الحجّاج تعديه لأعظم الحدود في الإسلام وانتهاكه لحرماته، وتساهله في سفك الدماء، وكانوا ينقمون عليه سوء معاملته وظلمه للجميع بمَن فيهم العلماء (أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية، لعبد الله الخزعان) .

ولقد وصل الحجاج في إسرافه في القتل إلى أنه كان يقتل بأدنى شبهة، فقد روى أبو داود بسندٍ صحيحٍ عن عاصم قال: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ (2) ، وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ، لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ اللَّهِ حَلَالًا!".

وقال ابن كثير -رحمه الله- معلقًا على بعض تجاوزات الحجّاج -مما يبيِّن سبب استهانته بالقتل-: "فإن الحجّاج كان عثمانيًّا أمويًّا، يميل إليهم ميلًا عظيمًا، ويرى خلافهم كفرًا، ويستحل بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم" (البداية والنهاية لابن كثير) .

وقال في موضع آخر: "أعظم ما نقم عليه وصح مِن أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله -عز وجل-" (البداية والنهاية لابن كثير) .

وقد أنكر العلماء على الحجّاج هذا الإسراف في القتل، فروي عن الإمام عبد الرحمن بن أبي نعم أنه قال للحجّاج: "لا تسرف في القتل إنه كان منصورًا". فقال الحجّاج: "والله لقد هممت أن أروي الأرض مِن دمك". فقال: إن مَن في بطنها أكثر ممَن في ظهرها" (حلية الأولياء) .

وكان جواب سعيد بن جبير -رحمه الله- للحجّاج عندما سأله عن رأيه فيه فقال: "نعم ظهر منك جور في حد الله، وجرأة على معاصيه بقتلك أولياء الله" (صفة الصفوة لابن الجوزي) .

ومِن تجاوزات الحجّاج: تطاوله على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسوء تعامله مع العلماء؛ فلقد تجاوز في معاملته مع ابن عمر، وابن الزبير وأسماء بنت الصديق -رضي الله عنهم جميعًا-.

ومِن ذلك: تطاوله على عبد الله بن مسعود وهو متوفى -رضي الله عنه-، فعن الصلت بن دينار قال: سمعتُ الحجاج على منبر واسطٍ يقول: "عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض مِن دمه!". قال: وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية: ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) (ص:35) ، قال: "والله إن كان سليمان لحسودًا!"، وهذه جراءة عظيمة تفضي به إلى الكفر: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه" (3) .

وقد رٌوي أن الحجاج أرسل إلى سهل بن سعد -رضي الله عنه- يريد إذلاله فِي سنة أربع وسبعين، فقال: "ما منعك مِن نصر أمير المؤمنين عُثْمَان؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثم أمر به فخٌتم (4) فِي عنقه"، وخٌتم أيضًا فِي عنق أنس حتى ورد كتاب عَبد المَلِك فيه (5) ، وخٌتم فِي يد جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-؛ لأنه لم يمد يده إليه في السلام، فكان يريد إذلالهم بذلك، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم (6) ؛ هذا فضلًا عن تأخيره للصلاة عن وقتها، ومع تأخيره الصلاة فهو لا يقبل تنبيه أحد مِن العلماء أو إبداء النصح له في ذلك، وهذا مأخذ آخر أخذه العلماء على الحجّاج وهو عدم قبوله لقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!

وبهذا يتضح: لماذا شارك بعض العلماء والفقهاء والقراء في ثورة ابن الأشعث؟!

وإن كان بداية الفتنة سببها الخلاف الذي حدث بيْن الحجاج وابن الأشعث حول التوغل في بلاد الترك؛ إلا أن ظلم الحجاج وبغيه هو الأصل الذى تحركت الجماهير مِن أجله.

معارضة بعض العلماء لثورة ابن الأشعث:

الصفحة التالية