شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (48) أسباب مشاركة بعض العلماء وأهل الفضل في ثورة ابن الأشعث

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

هناك طائفة أخرى مِن العلماء عارضوا الثورة واعتزلوها، ولم يروا المشاركة فيها، ومِن أبرز هؤلاء: أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، وأبو قلابة الجرمي، فلم يشارك، وكان يعتب على غيره ممَن شارك، ومنهم: إبراهيم النخعي، فلم يشارك وكان يعيب على سعيد بن جبير مشاركته فيها، وقد قيل له: أين كنت يوم الزاوية؟ قال: في بيتي. قالوا: فأين كنت يوم الجماجم؟ قال: في بيتي. قالوا: فإن علقمة شهد صفين مع علي، فقال: بخ بخ مَن لنا مثل علي بن أبي طالب ورجاله"، وممَن لم يشارك في حركة ابن الأشعث أيوب السختياني، ومنهم: طلق بن حبيب، فكان معتزلاً الفتنة وكان يقول: "اتقوها بالتقوى"، ومنهم: مطرف بن عبد الله الشخير فقد امتنع عن المشاركة في هذه الفتنة، وحين جاءه ناس يدعونه للمشاركة امتنع، فلما أكثروا عليه قال: "أرأيتم هذا الذي تدعوني إليه، هل يزيد على أن يكون جهادًا في سبيل الله؟ قالوا: لا. قال: فإني لا أخاطر بيْن هلكة أقع فيها وبيْن فضل أصيبه"، ومنهم مجاهد بن جبر -ويقال: ابن جبير-، فإنه لم يشارك، وحين دعي للمشاركة قال لمَن دعاه: "عٌده بابًا مِن أبواب الخير تخلفتُ عنه"، ومنهم: خيثمة بن عبد الرحمن الجعفي ومحمد بن سيرين، ويٌعد الحسن البصري واحدًا مِن العلماء الثقات الذين عايشوا هذه الفتنة، لكنه كان يدعو إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف، وينهي عن الإثارة والفرقة، ويدعو إلى السمع والطاعة للولاة، وكان يرى وجوب الموازنة بيْن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووحدة الجماعة.

ولقد عاصر الحسن البصري معظم فترات الحكم الأموي، وتأثر بالواقع السياسي في هذه الفترة، فأصبح يمثِّل مدرسة سياسية في عصره؛ فهو يرى أن حكم بني أمية فيه ظلم وجور، ولكنهم في نفس الوقت يملكون القوة العسكرية، وموازين القوى في صالحهم، كما أن الفئة الراغبة في التغيير والشاكية من الظلم، ينقصها التنظيم والإعداد والقوة والصبر، ويرى أن الذين يحملون راية الخروج على حكم بني أمية إما مخلص لدينه، ولكنه لا يصلح للحكم ولا يقدر على إحداث التغيير، وإما رجال يستخدمون الدين والدعوة للتغيير لأغراضٍ دنيوية، منها حبهم للسلطة والحكم، فليسوا بأحسن حال مِن الأمويين، وكان إذا قيل له: "ألا تخرج فتغير؟! فكان يقول: إن الله إنما يغير بالتوبة، ولا يغير بالسيف".

ومِن أقواله: "يا أيها الناس إنه والله ما سلط الله عليكم الحجّاج إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم السكينة والتضرع"، وقدم عليه جماعة مِن العلماء يناقشونه في الخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ويحاولون إقناعه بالخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ولكنه رفض الخروج وقال: "أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة مِن الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم"، ولكنهم لم يسمعوا كلامه ولم يأخذوا برأيه فخرجوا مع ابن الأشعث، فقتلوا جميعًا (سير أعلام النبلاء) .

وهكذا اجتهد العلماء في الخروج، فمنهم مَن أصاب، ومنهم مَن اخطأ، وقد ترتب على فشل ثورة ابن الأشعث ازدياد ظلم الحجاج وبطشه (7) .

ومِن اللافت للنظر: أن العلماء الذين عاصروا هذه الفتنة وقد اختلفوا في حكم المشاركة فيها، لم يطعن بعضهم في بعضٍ أو يخوِّن بعضهم بعضًا؛ وذلك لأنهم رغم اختلافهم إلا انهم يعلمون أن مسألة المشاركة هذه، مِن مسائل الاجتهاد، فهي مسألة اجتهادية ليس فيها مخالفة للنصوص أو الإجماع أو القياس الجلي، فالعلماء لا تحرِّكهم العواطف، ولكن تحرِّكهم الضوابط الشرعية، فما أحوجنا أن نسير على درب السلف؛ لاسيما في أوقات الفتن.

والله المستعان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لما انهزم أصحاب الأشعث هرب فلحق بمكة، فأخذه بعد مدة طويلة خالد بن عبد الله القسري، وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة، فبعث به إلى الحجاج، فعن عمر بن سعيد قال: "دعا سعيد بن جبير حين دعي ليقتل فجعل ابنه يبكي، فقال: ما يبكيك؟ ما بقاء أبيك بعد سبع وخمسين سنة". وعن الحسن قال: لما أتي الحجاج بسعيد بن جبير قال: "أنت الشقي ابن كسير؟ قال: بل أنا سعيد بن جبير. قال: بل أنت الشقي ابن كسير قال: كانت أمي أعرف باسمي منك. فقال له الحجاج: أما والله لأبدلنك من دنياك نارًا تلظى! قال سعيد: لو علمت أن ذلك إليك ما اتخذت إلهًا غيرك، قال: ما تقول في محمدٍ؟ قال: تعني النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم. قال: سيد ولد آدم، المصطفى، خير مَن بقي وخير مَن مضى. قال: فما تقول في أبي بكر الصديق؟ قال: الصديق خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مضى حميدًا وعاش سعيدًا، ومضى على منهاج نبيه -صلى الله عليه وسلم- لم يغير ولم يبدل. قال: فما تقول في عمر؟ قال: عمر الفاروق خيرة الله وخيرة رسوله، مضى حميدًا على منهاج صاحبيه لم يغير ولم يبدل. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: المقتول ظلمًا، المجهز جيش العسرة، الحافر بئر رومة، المشتري بيته في الجنة، صهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ابنتيه، زوَّجه النبي -صلى الله عليه وسلم- بوحيٍ مِن السماء. قال: فما تقول في علي؟ قال: ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأول مَن أسلم، وزوج فاطمة وأبو الحسن والحسين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية