صفحات مِن ذاكرة التاريخ (48) أسباب مشاركة بعض العلماء وأهل الفضل في ثورة ابن الأشعث
زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ
(6) انظر (تهذيب الكمال في أسماء الرجال)، لكن هذه الروايات لا يمكن الجزم بصحتها، فأكثر كتب التاريخ تنقلها عن الواقدي، والواقدي وإن كان يُستأنس به في الروايات التاريخية إلا أنه ليس بثقة؛ فروايته ليست بحجة.ٍ
قال الذهبي -رحمه الله-: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ، ونورد آثاره مِن غير احتجاج، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجةٍ، وأن حديثه في عداد الواهي، رحمه الله" (انتهى مِن سير أعلم النبلاء) ، ولكن لا يٌستبعد حصولها؛ لأنها لا تتعارض مع ما اشتهر عن الحجاج مِن الجرأة على الدماء، وظلمه وبغيه، وعدم احترامه وتوقيره للعلماء.
(7) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة: " وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم، فهُزموا وهُزم أصحابهم، فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا ، و الله -تعالى- لا يأمر بأمرٍ لا يحصل به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا، وإن كان فاعل ذلك مِن أولياء الله المتقين ومِن أهل الجنة، فليسوا أفضل مِن على وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يُحمد ما فعلوه مِن القتال، وهم أعظم قدْرًا عند الله وأحسن نية مِن غيرهم".
وعن أبي الحارث قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي أَمْرٍ كَانَ حَدَثَ بِبَغْدَادَ، وَهَمَّ قَوْمٌ بِالْخُرُوجِ، فَقُلْتُ: "يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي الْخُرُوجِ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، الدِّمَاءَ، الدِّمَاءَ، لَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَا آمُرُ بِهِ، الصَّبْرُ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْفِتْنَةِ يُسْفَكُ فِيهَا الدِّمَاءُ، وَيُسْتَبَاحُ فِيهَا الْأَمْوَالُ، وَيُنْتَهَكُ فِيهَا الْمَحَارِمُ، أَمَا عَلِمْتَ مَا كَانَ النَّاسُ فِيهِ، يَعْنِي أَيَّامَ الْفِتْنَةِ، قُلْتُ: وَالنَّاسُ الْيَوْمَ، أَلَيْسَ هُمْ فِي فِتْنَةٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ، فَإِنَّمَا هِيَ فِتْنَةٌ خَاصَّةٌ، فَإِذَا وَقَعَ السَّيْفُ عَمَّتِ الْفِتْنَةُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، الصَّبْرَ عَلَى هَذَا، وَيَسْلَمُ لَكَ دِينُكَ خَيْرٌ لَكَ" (السنة الخلال) .
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "فَالصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ الْإِمَامِ الْجَائِرِ أَولَى مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ فِي مُنَازَعَتِهِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ اسْتِبْدَالَ الْأَمْنِ بِالْخَوْفِ وَإِرَاقَةَ الدِّمَاءِ، وَانْطِلَاقَ أَيْدِي الدَّهْمَاءِ، وَتَبْيِيتَ الْغَارَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ، وَهَذَا أَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الجائر، وروى عبد الرحمن بن هدي عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قال: قال ابن عُمَرَ حِينَ بُويِعَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: إِنْ كَانَ خَيْرٌ رَضِينَا، وَإِنْ كَانَ بَلَاءٌ صَبَرْنَا".
إذن، فإن مسألة خلع السلطان تدور حول اعتبار المصالح والمفاسد؛ ف لابد مِن النظر في مثل هذه الأمور إلى عدة مسائل، منها: أمر المصلحة والمفسدة، ومنها: أمر القدرة والعجز، ومنها: اعتبار الضرر الخاص والضرر المتعدي، فلو وجد منكر فلا يجوز إزالته بمنكر أعظم؛ وذلك لأن المقصود إزالة منكرات الشرع كلها، والله -عز وجل- لا يحب الفساد، ولا يحب المفسدين، فإذا ترتب على إنكار منكر فساد أعظم كان ذلك مما لا يحبه الله -عز وجل-، والموازنة بيْن المصالح والمفاسد إنما تكون بميزان الشريعة، ولا شك أن سفك الدماء المعصومة مع بقاء المنكرات كما هي فيه عدم تقدير للمصالح والمفاسد، والقدرة والعجز.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ". ومعنى على إمام ذي سلطان: أي ذي منعة وشوكة وقوة، أما في حالات ضعف الإمام فربما يؤدي ذلك إلى حدوث التغيير كما قامت الدولة العباسية بعد وقوع الضعف الشديد الذى حلَّ بآخر خلفاء عصر بنى أمية، ولما حل الضعف كذلك بالدولة العباسية قامت الدويلات المستقلة في المشرق والمغرب في ظل وجود الخلافة العباسية، فلقد استطاع عبد الرحمن الداخل أن يعيد قيام الدولة الأموية في الأندلس ، وقد قامت بعض الدول في بلاد المغرب: ك الدولة الرستم ية، و دولة الأدارسة ، و دولة الأغالبة ، وكذا قامت بعض الدول الأخرى في بلاد ال م شرق: ك الدولة الطاهرية، و الدولة الصفارية ، و الدولة السامانية ، و الدولة الغزنوية . و في مصر والشام: قامت الدولة الطولونية ، و الدولة الإخشيدية ، و الدولة الحمدانية ، و الدولة الفاطمية ، و الدولة الأيوبية ، و الدولة المملوكية ، وغير ذلك مِن الدول التي استقلت عن الدولة العباسية؛ كل ذلك في ظل وجود الخلافة العباسية، لكن كان الخليفة العباسي آنذاك عبارة عن صورةٍ شكليةٍ فقط، وليس له مِن الأمر مِن شيءٍ، فلا يستطيع أن يأمر أو وينهى أو أن يولي ويعزل مَن شاء!
لذا نقول: هناك مَن استطاع التغيير، فالأمر مرده إلى دراسة موازين القوى، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد، وهذا الترجيح هو مِن مسائل الاجتهاد. والله أعلم.