شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (48) أسباب مشاركة بعض العلماء وأهل الفضل في ثورة ابن الأشعث

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

قال: فما تقول فيَّ؟ قال: أنت أعلم بنفسك. قال: بث بعلمك. قال: إذاً نسوءك ولا نسرك. قال: بث بعلمك. قال أعفني. قال: لا عفا الله عني إن أعفيتك. قال: إني لأعلم أنك مخالف لكتاب الله، ترى مِن نفسك أمورًا تريد بها الهيبة وهي التي تقحمك الهلاك، وسترد غدًا فتعلم. قال: أما والله لأقتلنك قتلة لم أقتلها أحدًا قبلك ولا أقتلها أحدًا بعدك. قال: إذًا تفسد علي دنياي وأفسد عليك آخرتك. قال: يا غلام السيف والنطع. فلما ولى ضحك. قال: قد بلغني أنك تضحك. قال: قد كان ذلك. قال: فما أضحكك عند القتل؟ قال: مِن جرأتك على الله عز وجل ومن حلم الله عنك. قال: يا غلام اقتله. فاستقبل القبلة فقال: ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام:79) ، فصرف وجهه عن القبلة فقال: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ) (البقرة:115) ، قال: اضرب به الأرض. قال: ( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ) (طه:55) ، قال: اذبح عدو الله فما أنزعه لآيات القرآن منذ اليوم، فذٌبح مِن قفاه. فبلغ ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري فقال: "اللهم يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج"، فما بقي إلا ثلاثًا حتى وقع في جوفه الدود فمات.

وعن خلف بن خليفة عن أبيه، قال: "شهدتُ مقتل سعيد بن جبير، فلما بان رأسه قال: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، ثم قالها الثالثة فلم يتمها"، وعاش بعده خمسة عشر يومًا. وفي رواية: ثلاثة أيام. وكان يقول: "ما لي ولسعيد بن جبير؟ كلما أردت النوم أخذ برجلي!"، وعن عمرو بن ميمون، عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على الأرض أحد إلا وهو يحتاج إلى علمه. وفى رواية: "فكان الحجاج إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه، ويقول: يا عدو الله فيمَ قتلتني؟ فيقول الحجاج : ما لي ولسعيد بن جبير؟! ما لي ولسعيد بن جبير؟ وكان مقتل سعيد بن جبير عام 94هـ" (صفة الصفوة لابن الجوزي، والبداية والنهاية) .

(2) يعني: اسمعوا وأطيعوا بدون استثناء، ومعلوم أن السمع والطاعة لولاة الأمور فيها استثناء، وليستْ على إطلاقها، بل ذلك في حدود طاعة الله ورسوله - عليه الصلاة والسلام-، فيسمع له ويطاع في حدود طاعة الله ورسوله، وليس على الإطلاق (انظر: شرح سنن أبى داود لعبد المحسن البدر) .

(3) قال ابن كثير -رحمه الله-: "كان ناصبيًّا يبغض عليًّا وشيعته في هوى آل مروان بني أمية، وكان جبارًا عنيدًا، مقدامًا على سفك الدماء بأدنى شبهة . وقد روي عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر، فإن كان قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوعٍ مِن زيادة عليه، فإن الشيعة كانوا يبغضونه جدًّا لوجوه، وربما حرَّفوا عليه بعض الكلم، وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات، وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء مِن التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعًا في سفك الدماء، فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها ."

وقال أيضًا: "وأعظم ما نُقم عليه وصح مِن أفعاله: سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله -عز وجل-، وقد كان حريصًا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطي على القرآن كثيرًا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم، وكانت فيه شهامة عظيمة، وقد ذهب جماعة مِن الأئمة إلى كفره -وإن كان أكثر العلماء لم يروا كفره-، وكان بعض الصحابة: كأنس وابن عمر يصلون خلفه، ولو كانوا يرونه كافراً لم يصلوا خلفه، فعن قتادة قال: "قيل لسعيد بن جبير: خرجتَ على الحجاج؟ قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر". وقال الأعمش: "اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهدًا، فقال: تسألون عن الشيخ الكافر". وقال الشعبي: "الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم". وقال القاسم بن مخيمرة: "كان الحجاج ينقض عرى الإسلام". وعن عاصم بن أبي النجود قال: "ما بقيتْ لله -تعالى- حرمة إلا وقد انتهكها الحجاج! " (البداية والنهاية) . قلتُ: والذي يظهر مِن كلام ابن كثير -رحمه الله- أن مَن كفَّروا الحجاج، كفروه بسبب بعض أقواله الشنيعة التي يكفر قائلها، وليس بسبب سفكه للدماء، والله أعلم.

(4) وهذا الختم جاء في بعض الروايات أنه عبارة عن خيط فيه رصاص، انظر كتاب "المحن" لأبي العرب التميمي (ص 334)، ويحتمل أن يكون المراد به هو "الوسم"، والوسم في اللغة: هو الكي بحديدة تترك أثر علامة أو كتابة على مكان الكيّ.

(5) قال حنبل بن إسحاق: ثنا أبو عبد الله الرقاشي، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا علي بن يزيد، قال: "كنتُ في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك، فقال الحجاج: هي يا خبيث جوال في الفتن، مرة مع علي، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضـب. قال: يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال: إياك أعني، أصم الله سمعك"، قال: فاسترجع أنس، وشغل الحجاج، فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: "لولا أني ذكرت ولدي -وفي رواية: لولا أني ذكرت أولادي الصغار- وخفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، ولكلمته بكلام في مقامي هذا لا يتسخفني بعده أبدًا" .

وقد ذكر أبو بكر بن عياش: "أن أنسًا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: والله لو أن اليهود والنصارى رأوا مَن خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله عشر سنين" . فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابًا فيه كلام جد، وفيه: "إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبي حمزة فترضّاه، وقبِّل يده ورجله، وإلا حل بك مني ما تستحقه" . فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همَّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، الذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة (البداية والنهاية) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية