شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (9)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- : "حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: ( لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً ). فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الْأُخْرَى، وَقَالَ: ( دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ- ؛ لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ ).

وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَجَدَ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- مِمَّنْ حَلَّ، وَلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا، وَاكْتَحَلَتْ؛ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا. قَالَ: فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِيًا لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ؛ فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا؛ فَقَالَ: ( صَدَقَتْ، صَدَقَتْ )؛ مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ. قَالَ: ( فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ؛ فَلَا تَحِلُّ ). قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنْ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِائَةً. قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا، إِلَّا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ" (رواه مسلم) .

هذا الجزء مِن الحديث يدل على ترجيح حج التمتع على القِران والإفراد، وأنه الأفضل مِن أنواع النسك الذي تمناه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لنفسه، لولا سوقه الهدي، وهو قول الإمام أحمد، وإن كان رَجَّحَ طوائف مِن العلماء -منهم: مالك والشافعي- الإفراد موافقة للشيخين أبي بكر وعمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، ولكن كما قال الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ-: "كُلٌّ يُؤخَذ مِن قَوْلِهِ ويُتْرَك إلا رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ".

وقد أنكر الصحابة على عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نهيه عن التمتع، منهم: عمران بن حصين، وابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- وغيرهما.

وهذه المسألة تُؤصِّل لأمر الاتباع ووجوب التزام السُنَّة وإن خالَفَها أكابر العلماء إذا تَبَيَّنَت لأحدٍ، كما قال الشافعي -رحمه الله-: "أَجْمَعَ العُلَماءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةٌ عَنْ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ يَكُنْ لَهُ أن يَدَعَها لِقَوْلِ أَحَدٍ مِن النَّاسِ".

والحقيقة: أن هذا الأصل العظيم لا يختلف فيه أهل السُنَّة؛ فرغم نهي أبي بكر وعُمَر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عن متعة الحج كما قال عروة لابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم- لما قال له: أَمَرَ رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالمتعة -أي متعة الحج-؛ فقال له: وأبو بكر وعمر كانا ينهيان عنها، فقال ابن عباس: "تُوشِكُ أن تَنْزِل عليكُم حجارة من السماء؛ أقول لكم قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتقولون: قال أبو بكر وعمر!"، وقد أجمع العلماء بعد ذلك -رغم اختلافهم في الأفضل- على عدم كراهية التمتع وعدم النهي عنه رغم صحة النهي عنه عن الشيخين، لنعلم منزلة السُنَّة عند العلماء كافة، وإن كان الظن بأبي بكر وعُمَر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ، أنهما لم يسمعا كلام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي رواه جابر هذا.

وقد وقع ذلك في مسائل غابت عن الأكابر ورواها الأصاغر؛ فقَبِل العلماء رواية الأصاغر ورَدُّوا رأي الأكابر، كما وقع ذلك في التيمم للجُنُب؛ فقد أنكره عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وشَدَّدَ على عَمَّار، ورواه عمار -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وهو دون عمر في العلم والمنزلة، ومع ذلك أجمع العلماء على التيمم للجنب، وهجران قول عمر -رَضِيَ اللهُ عَن الْجَمِيعِ-.

والمقلدون يقولون: يستحيل أن يغيب أمرٌ عن أئمتنا! ويقولون للحديث: ألم يكن أئمتنا يعلمونه؛ ومع ذلك لم يقولوا به؟! وهذا باب للفتنة عظيم، فتنة مُخالِفة لاتفاق السلف وإجماعهم الذي نقله الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ-.

ويخالف هذا الإجماع مسألة التمذهب المتعصِّب الذي يؤصل له البعض أنه الطريقة الوحيدة للتعَلُّم رغم أنها لم تكن كذلك في القرون الثلاثة الخيرية؛ بل كان التعلم للقرآن والحديث ثم روايات الصحابة وأقوالهم ثم مَن بعدهم، مع تقديم الكتاب والسُنَّة ضرورة، حتى وصل البعض إلى تحريم تعلم الطالب المبتدئ الدليل! مع أن كبار أئمة المذاهب صَنَّفوا في السُنَّة وعَلَّموها للناس.

وهذا البغوي الشافعي -رَحِمَهُ اللهُ- يؤلف كتاب "شرح السُنَّة"؛ السِّفْر العظيم الذي جَمَع جملةً كبيرة مِن أحاديث النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع أقوال العلماء؛ هذا الذي كان يُعَلِّمونه للناس.

وجمع مجدُ الدين ابن تيمية -جَدُّ شيخ الإسلام- كتابَه "مُنْتَقَى الأخبار" وهو حنبلي؛ إلا أن "منتقى الأخبار" يُعَدُّ مِن أَجْمَع الكتب في أحاديث الأحكام، وهكذا أهل العلم جميعًا؛ فإنهم يُعَلِّمون الناسَ الكتابَ والسُنَّة، وأقوال العلماء تابعة لها، وأما ما يطالِب به هؤلاء البعض مِن منع تعليم الناس الدليل؛ لأنهم مبتدئون حتى لا تحدث الفوضى الفقهية هو في الحقيقة الذي يُمَهِّد للفوضى الفقهية!

الصفحة التالية