تأملات في حجة الوداع (9)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
كما وصل الأمر في زماننا إلى تقديم قول المتأخرين، بل وأقوال الأئمة، على نصوص الوحي، ثم مع القول بالتلفيق المبني على تتبع الرُّخَص حسب الهوى والتشهي دون دليلٍ! كما أَلَّف بعضُهم في الحج كتابًا سَمَّاه: "افعل ولا حرج" جمَعه مِن أقوالِ مَن تقدم ومَن تأخر في الرُّخَص بلا دليل! وشَبَّه على الناس ولَبَّس بتقديمه عنوان كتابه كلمة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "افعل ولا حرج" التي قالها في التقديم والتأخير في أعمال يوم النحر بعذر الجهل والنسيان.
فصارت المذاهب عند المتأخرين حُجَجًا، وأقوال المجتهدين أدلة، بهذه الطريقة المنكرة، وصار الاجتهاد هو البحث عن الأقوال المختلفة ولو كانت شاذة مخالفة للدليل، والإفتاء بها! وما لم يجدوه في أقوال المتقدمين زعم بعضهم الاجتهاد بالتيسير على الناس بلا دليلٍ، وقال به؛ فصارت المسألة مختلفًا فيها؛ حتى صار دعاء الأموات، وطلب الرزق والمغفرة، وشفاء الأمراض، وقضاء الحاجة منهم، مسألة خلافية معتمد المذاهب عند المتأخرين جوازها وليس حتى تبديعها!
وصار الشرك بالله الذي دَلَّت عليه نصوص القرآن القطعية كقوله -تعالى-: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ) (فاطر:13-14) ، صار الأمر عند هؤلاء مختلفًا فيه وهي رخصة للإفتاء! وكذا مسائل أخرى كثيرة، منها: مسألة الفوائد الربوية، بل صار الإفتاء بالصواب الذي أَجمَع عليه العلماء منذ زمنٍ في المَجامِع الكبرى مُنكرًا مُحَرَّمًا يستحق صاحبه العزل والتشنيع والعقوبة عليه! وكذا مسألة بناء المساجد على القبور وشد الرحال إليها، وعقد الموالد حولها، مع علم الجميع بالفظائع والمنكرات والفواحش التي تقع في هذه الموالد، وأصل البلاء: مسألة التقليد الأعمى المتعصب بلا دليلٍ؛ الذي فتح باب الخرافة والبدع، ومهَّد لتضييع الدين في العقائد والأعمال والسلوك.
وفي هذا الجزء مِن الحديث: دليل على مشروعية الفسخ -فسخ الحج والقِرَان- لمَن لم يَسُق الهدي إلى عمرة، وقد أوجب هذا الفسخ طائفةٌ مِن أهل العلم، منهم ابن حزم وابن القيم، وأفتى ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- بأن مَن طاف بالبيت فقد حَلَّ، شاء أم أَبَى، يعني إذا لم يَسُق الهدي، وأوجب بعض المعاصرين التمتع لفظًا، وهذا قول ضعيف؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد قال: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا ) (رواه مسلم) ؛ فدلَّ على عدم نسخ الأنواع الثلاثة إلى زمن عيسى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فلا يصح القول بوجوب التمتع؛ بل هو الأفضل، وإنما يُنكَر على مَن أعرض عنه ورآه منكرًا يرفض فِعْلَه، ولهذا أنكر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مَن لم يستجب لأمره مِن الصحابة؛ لأنهم قالوا: "نقدُم مِنَى تَقْطُر مَذَاكِيرُنا المَنِيّ!"، فقال لهم: "انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ، فَافْعَلُوا" (رواه ابن ماجه) ، فليس هذا إنكارًا عامًا على كل مُفْرِد أو قارِن، بل على مَن رأى التمتع أمرًا مستنكرًا بسبب ما كانوا عليه في الجاهلية مِن أنهم يرون العمرة في أشهر الحج مِن أَفْجَرِ الفُجور، فخَالَف النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أهل الجاهلية وشرع التمتع، بل فسْخ الحج المفرد والقِران إلى عمرة؛ ليتمتع الحاج بها إلى الحج، ولا ينطبق غضبه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على مَن لم يَرَ التمتع مُنْكَرًا، والله أعلم.
وفي قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لسُرَاقَة: ( دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ -مَرَّتَيْنِ- ؛ لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ )، دليل على بقاء مشروعية التمتع إلى يوم القيامة، بل وأفضليته على غيره مِن المناسك.
وفي الحديث: صحة الإحرام المُبْهَم؛ لأن عَلِيًّا وأبا موسى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أحرما إحرامًا كإحرام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهما لا يعلمان ما أحرم به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، حرصًا منهما على اتِّباع السُنَّة، ثم صرفه عَلِيٌّ لأمر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى القِران؛ لأنه كان قد ساق الهَدْي، وصرفه أبو موسى إلى التمتع أو فسخ إحرامه إلى عمرة؛ لأنه لم يكن قد ساق الهدي.
وفي إهداء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِائة من الأبل دليلٌ على فضل الهدي والتَوَسُّع فيه؛ فهذا القدر زيادة عما وجب عليه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سبعمائة ضعف، وأشرك النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلِيًّا معه في هَدْيِه.
وفيه استحباب التقصير لمَن اعتمر قبْل الحج؛ ليوفر شعره للحلق في الحج، أما إذا كانت المدة تطول حتى ينبت شعره -كمَن اعتمر في شَوَّال أو في أول ذي القعدة مثلًا- فالأفضل الحلق؛ لعموم الدليل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ )، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ )، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ ( رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ )، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( وَالْمُقَصِّرِينَ ) (متفق عليه) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.