التحول السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تأسست منظمة (فتح) الفلسطينية في أواخر الخمسينيات في الكويت برئاسة (ياسر عرفات)، فكانت تتويجًا لنشاطٍ سياسيٍ سري لشبابٍ فلسطيني كان يعمل في الكويت، وقد بدأت المنظمة أنشطتها بدون تنسيق مع القاهرة، وأطلقت (فتح) أول شرارة للعمل المسلح ضد إسرائيل في أول يناير 1965م.
ثم تكونت (منظمة التحرير) الفلسطينية بقرارٍ مِن مؤتمر القمة العربي عام 1964م بالقاهرة استجابة لاقتراح مِن مصر بإقامة كيانٍ فلسطينيٍ، وعهد برئاستها لـ(أحمد الشقيري)، وبعد هزيمة يونيو 1967م طرقت منظمة (فتح) أبواب القاهرة لفتح بابٍ جديدٍ للعمل ضد إسرائيل، وأظهر عبد الناصر اعترافه بالمنظمة، ووافق على مساعدتها في التمويل والتسليح والتدريب، وبعد استقالة (الشقيري) مِن رئاسة منظمة (التحرير) في عام 1969م تولى (ياسر عرفات) رئاسة منظمة (التحرير)، واحتفظ برئاستها حتى وفاته عام 2004م، وفي أكتوبر 1974م قرر مؤتمر القمة العربي في الرباط بالمغرب اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
مارست (منظمة التحرير) التي صارت تجمع كل الفصائل العسكرية والشعبية الفلسطينية -وتهيمن عليها منظمة (فتح)- العمل المسلح بعملياتٍ فدائيةٍ ضد إسرائيل، مِن الدول العربية التي تشترك حدودها مع إسرائيل، ولكن قيادة المنظمة تسببت في مواجهاتٍ مع أنظمة هذه الدول العربية؛ بسبب عدم التنسيق معها مِن جهةٍ، وبسبب التدخل أحيانًا في شئونها الداخلية مِن جهةٍ أخرى، فتم تصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن في عام 1971م، وتحجيمها في سوريا، وإنشاء جماعات منها تحت سيطرة النظام السوري وتدين له بالولاء، وفي 1982م تم إخراج رجال المقاومة الفلسطينية مِن جنوب لبنان وبيروت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وهكذا تم تصفية العمل الفلسطيني المسلح ضد إسرائيل في الدول العربية المحيطة بإسرائيل.
مصر ومنظمة التحرير:
أنشأت منظمة (التحرير) بقرارٍ مِن مؤتمر القمة العربي في عام 1964م باقتراحٍ مِن مصر، وتبنت مصر المنظمة، وبعد تواصل منظمة (فتح) مع القاهرة تولى (ياسر عرفات) رئاسة منظمة (التحرير) عام 1969 م خلفًا للشقيري.
وعندما ساءت أوضاع المقاومة مع القيادة السياسية في الأردن إلى حدِّ تشكيل الملك حسين -ملك الأردن- حكومة عسكرية، خاضت معركة دامية لتصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن انتهت بمذبحة (أيلول الأسود) في 1970 م، ساهمت مصر في إنقاذ عرفات ورجاله.
ساعد انتصار أكتوبر 1973م على تحسن العلاقات المصرية الفلسطينية، لكن مع اتجاه مصر للتصالح مع إسرائيل ساءت العلاقات (المصرية - العربية) عامة و(المصرية - الفلسطينية) خاصة، وتكونت جبهة تضم سوريا وليبيا والجزائر، واليمن الديمقراطية الشعبية، ومنظمة التحرير الفلسطينية في مواجهة مصر في مؤتمر طرابلس في ديسمبر 1977م، وتطور الأمر إلى مقاطعة الدول العربية لمصر بعد اتفاق (كامب دافيد) وتوقيع مصر لمعاهدة سلام مع إسرائيل في 1979م، وتم نقل مقر الجامعة العربية مِن القاهرة إلى تونس.
وقد رفضت منظمة التحرير اتفاق "كامب دافيد" رفضًا قاطعًا، وشاركت في المقاطعة لمصر، وهي المقاطعة التي استمرت حتى أواخر الثمانينيات.
قامت إسرائيل بشنِّ هجمات قوية وعنيفة على قواعد المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان بداية مِن عام 1978م، ثم غزت لبنان عام 1982 م ودخلت بيروت، وفرضت القوات الإسرائيلية حصارًا على رجال المقاومة الفلسطينية في بيروت لمدة 10 أسابيع، اضطر بعده ياسر عرفات إلى الخروج مِن لبنان ومعه 12 ألف مقاتل في 21 أغسطس 1982م. وتم اختيار تونس لتكون مقرًّا جديدًا لمنظمة التحرير، وفي تونس اغتالت إسرائيل صلاح خلف وخليل الوزير -مِن كبار قيادات المنظمة- وقصفت مقر المنظمة ذاته.
مصالحات عربية:
مع نهاية عام 1987 م أمكن تهدئة الأوضاع في لبنان، وتحقيق مصالحة بيْن الفصائل الفلسطينية خلال اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، وأعيدت العلاقات بيْن الجزائر والمغرب، مع سعي إلى التسوية السياسية لمشكلة الصحراء، كما تمت المصالحة بيْن ليبيا وتونس، والمصالحة بين ليبيا والعراق، وعقد اتفاقية بيْن الأردن ومنظمة التحرير، إلى جانب تحقق قدرٍ مِن الاتفاق العربي تجاه الحرب العراقية الإيرانية (حرب الخليج الأولى) في مؤتمر عمان.
وفي عام 1988م أعلن الأردن فك ارتباط الأردن بالضفة الغربية، حتى يتيح للفلسطينيين إقامة دولة مستقلة لهم، وأعلن ياسر عرفات في أواخر العام اعتراف منظمة التحرير بحق إسرائيل في الوجود إلى جوار دولة فلسطينية، وأعلن أيضًا نبذ المنظمة لاستخدام العنف.
قرر مؤتمر القمة العربية في عمان السماح بعودة العلاقات الثنائية بيْن مصر والدول العربية، وسرعان ما أعيدت هذه العلاقات بالفعل، وعادت مصر عام 1989م لمقعدها في الجامعة العربية في مؤتمر القمة الطارئ في الدار البيضاء.
في أعقاب غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990م أظهر عرفات -الذي كان يرغب في تأييد العراق للانتفاضة الفلسطينية التي بدأت عام 1987م- تأييده لصدام حسين مما أدخل المنظمة في قطيعةٍ مع دول الخليج عامة والكويت خاصة، وأدخل المنظمة في عزلة عربية، كانت مِن أسباب دخول عرفات في مفاوضات للسلام مع إسرائيل، انتهت بتوقيع عدة اتفاقات بيْن السلطة الفلسطينية وإسرائيل، منها: إعلان (أوسلو) في 1992م، واتفاق (طابا) في سبتمبر 1995م، واتفاق (واي ريفر) في أكتوبر 1998م، ومذكرة (شرم الشيخ) في سبتمبر1999م. وقد ترتب على هذه الاتفاقات دخول السلطة الفلسطينية وعرفات إلى قطاع غزة في ظل مفاوضات للسلام لم تحقق رغم مرور السنوات الطويلة -أكثر مِن عشرين سنة- الحد الأدنى مِن المطالب الفلسطينية.
اعتراف منظمة التحرير بدولة إسرائيل:
أعقب نهاية حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت) وإخراج صدام حسين مِن الكويت بدء مساعي أمريكية حثيثة لإيجاد تسوية سلمية للنزاع في الشرق الأوسط في ظل الظروف التي مرت بها المنطقة، والتي تجعل العرب أكثر استجابة للضغوط الأمريكية.