التحول السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
بدأت الجهود الأمريكية لإقناع أطراف النزاع بالتفاوض خلال عام 1991م على أساس قراري الأمم المتحدة رقم: 242 و338، وإجراء مفاوضات متعددة الأطراف، وفي 30 أكتوبر 1991م افتتح مؤتمر (مدريد) للسلام في الشرق الأوسط على مستوى وزراء الخارجية إلا أسبانيا وإسرائيل، فكان يمثِّل كل منهما رئيس الوزراء، وقد انتقلت المفاوضات بعدها إلى واشنطن ما يقرب مِن عامين، عقدت خلالهما عشر جولات، ولكنها توقفت بسبب الإعلان عن التوصل لإعلان مبادئ بيْن طرفي النزاع بعد مفاوضات سرية بيْن إسرائيل ومنظمة التحرير في (أوسلو)، حيث ساعدت سرية المفاوضات في الوصول إلى هذا الإعلان في ظل قبول قيادتي الطرفين تقديم تنازلات مؤثرة لتحقيق الاتفاق، وهو ما لم يكن متوفرًا في المفاوضات العلنية التي جرت في واشنطن.
في 9 سبتمبر 1993م وبعد مفاوضات (أوسلو) تم الاعتراف المتبادل بيْن منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة (ياسر عرفات) -ممثلة للشعب الفلسطيني- ودولة إسرائيل ويمثلها رئيس وزرائها (إسحاق رابين). وتم توقيع الطرفين في يوم 13 سبتمبر 1993م في حديقة البيت الأبيض في واشنطن على اتفاق إعلان مبادئ للترتيبات الانتقالية لحكم ذاتي فلسطيني في غزة وأريحا، تتضمن الانسحاب الإسرائيلي مِن قطاع غزة ومنطقة أريحا، ونقل السلطة فيهما للفلسطينيين كخطوةٍ تمهيديةٍ، وقد بدأت مفاوضات نقل السلطة في يوليو 1994م، وبعد جولات متعددة مِن المفاوضات في القاهرة تم التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية في 24 أغسطس 1994م، ثم التوقيع عليها بصفة نهائية بعدها في معبر (أرينز) بقطاع غزة، وفي 28 سبتمبر 1995م تم توقيع الطرفين (عرفات ورابين) على اتفاقية (وارسو2) رسميًّا في واشنطن.
اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية:
في أعقاب اتفاقية (أوسلو) بدأت مباحثات ولقاءات غير معلنة بيْن الأردن وإسرائيل برعاية أمريكية أسفرت عن (إعلان واشنطن) في يوليو 1994م، تضمن الاتفاق على إنهاء حالة الحرب بينهما، والاعتراف بحصص مستحقة لكل مِن الطرفين في مياه نهاري الأردن واليرموك، وبحدود دولية دائمة مشتركة بيْن الدولتين.
وفي 17 أكتوبر 1994م تم توقيع معاهدة سلام بيْن الأردن وإسرائيل بالأحرف الأولى، وقد وافق مجلس وزراء الأردن ثم مجلس النواب الأردني على المعاهدة، رغم اعتراض النواب الإسلاميين في البرلمان عليها.
مقتل رابين:
حصل كل مِن ياسر عرفات وإسحاق رابين وشيمون بيريز على جائزة نوبل للسلام عام 1994م مشاركة بينهم؛ لما أظهروه مِن مساهمة في تحقيق التسوية في الشرق الأوسط.
ومعلوم دور الصهيونية العالمية والدول الغربية الكبرى في توجيه هذه الجوائز العالمية، وقد سبق حصول الإرهابي الكبير ومجرم الحرب عتيد الإجرام (مناحم بيجن) على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع السادات عقب اتفاق السلام بيْن مصر وإسرائيل في أواخر السبعينيات.
وفي 4 نوفمبر1995م تم اغتيال إسحاق رابين، قتله المتطرف الإسرائيلي (إيجال عامير)؛ بسبب الاتفاق مع منظمة التحرير، وتولى بعده (شيمون بيريز) رئاسة الحكومة الإسرائيلية.
وفي 25 أبريل 1996م وافق المجلس الوطني الفلسطيني على حذف مواد الميثاق الوطني لمنظمة التحرير الداعية إلى القضاء على دولة إسرائيل.
وقفة مطولة مع ما آلت إليه منظمة التحرير:
يبدي الكاتب الفلسطيني (فيصل أبو خضرا) في كتابه (المسألة الفلسطينية: الأزمة والحل) تعقيبه على ما آلت إليه المنظمة الفلسطينية مِن التصالح مع إسرائيل بما مختصره: "يجب أن نعترف أن الشعب الفلسطيني قام قبْل هزيمة 1967م بما كان ينتظر منه، وهو اللجوء إلى الثورة الشعبية المسلحة"، و"لكنَّ أمورًا وقعت هنا وهناك أفقدت الثورة توازنها، فكانت -ولا زالت- عاجزة عن الإمساك بمقود السفينة كما ينبغي، ذلك أن القائد الملهم لم يأتِ إلى الساحة بعد".
"لقد كانت الثورة الفلسطينية تضج بالحياة والثورية في بدايتها، وكانت تحترم مشاعر الشعوب العربية الشقيقة واختياراتها، وكان محرمًا على الفدائي الذي يعبر جنوب لبنان أو الأراضي الأردنية أو السورية أن يؤذي نملة في أي منزل أو قرية يمر بها في طريقه إلى مهمته القتالية"، "وكانت الثورة مجهولة تعيش تحت الأرض مثلها مثل كل الثورات، ولكن سرعان ما لعبت الأحلام في رؤوس البعض فحسبوا أن المجد لا يعطى مِن فوهة البندقية، بل بواسطة الكراسي".
"فسقطوا في المحظور، ودخلوا دهاليز السياسة، وأصبحوا ثورة عمومية، أي: ثورة فوق الأرض"، "ووقع الكل في خطأ الجزء، فتذابحنا مع اللبنانيين سنة 1969م، ثم مع الأردنيين سنة 1970 م، ثم مرة أخرى مع اللبنانيين سنة1973م، ثم مرة ثالثة مع اللبنانيين سنة 1975م - 1982م، ثم مع اللبنانيين مرة أخرى، ثم بعضنا مع البعض الآخر، ولم نقاتل العدو كما كان يجب، وانقلبنا مِن ثورة يحترمها العالم كله إلى ثورة لم تعد تخيف أحدًا، بل إن دولًا عديدة في العالم منحتنا ولاءها ثم سحبته بسبب أخطائنا الاستراتيجية".
"لقد كان مذهلًا أننا كنا نطلب الشيء ونقيضه في آنٍ واحدٍ؛ كنا نعلن أننا نقاتل مِن أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني مِن العدو المحتل، ثم نتوجه بنداءٍ إلى العالم نوافق فيه على إعطائنا أي مكان في فلسطين نقيم عليه دولتنا"، "ولقد كان مذهلًا حقًّا أننا كنا تقف مع سوريا مرة وضدها مرة، ومع مصر مرة وضدها مرة، ثم مع تونس وطرابلس وبغداد وضدها مرة، إلخ. إن تكرار خطيئة عمان في بيروت، ثم تكرار خطيئة بيروت في تونس، وتكرار خطيئتي بيروت وتونس في عمان مرة ثانية، ثم تكرار كل هذه الخطايا في دمشق وعمان والجزائر... هي سياسية لا يمكن أن يكون دافعها الوعي الثوري أو الحدس الثوري، بل الارتباك، ولقد كان هذا الارتباك بمثابة الحد الأقصى مِن التخبط".
"أليس مذهلًا أننا انتقلنا في عشرٍ سنوات فقط مِن ثورة تريد فلسطين كلها إلى ثورة تعترف بالقرار 242، الذي ينص صراحة على حق إسرائيل في فلسطين بدون مواربة أو غموض؟! إن هذا التخبط جعل العالم يشيح بوجهه عنا، وأبعدنا عن الهدف الحقيقي الذي هو فلسطين ولا شيء سواها".