التحول السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
"فالعار ليس في أن يحتل العدو الأرض بل أن يعترف صاحب الأرض للعدو بهذا الاحتلال، والتاريخ مليء بالشواهد المشابهة التي احتل فيها العدو الأرض، ثم خرج منها بالقوة أو بالوسائل الأخرى"، "ولأن الوقت الآن لم يعد في صالحنا؛ ولأن ما فقدناه يفوق الوصف والتصور، فقد آن لنا أن نقف وقفة مسؤولة، ونحاسب أنفسنا، ونجدد انطلاقتنا لكي لا يطمسنا التاريخ" (المسألة الفلسطينية: الأزمة والحل، ص:12-14 بتصرف) .
ويقول موضحًا مسؤوليتنا عن ضياع فلسطين ما مختصره: "إننا مسؤولون عن ضياع فلسطين مثلما كان السلاح اليهودي مسؤولًا عن ضياع فلسطين، ومثلما كان الغطاء الدولي لمصلحة إسرائيل مسؤولًا عن ضياع فلسطين، فنحن لم نكن ندرك أن ما كان يجري حولنا منذ مطلع القرن العشرين الميلادي هو مؤامرة صهيونية لاغتصاب أرض فلسطين".
وحين بدأ الفلسطينيون يدركون هذه الحقيقة خاضوا معاركهم ضد اليهود "بالعاطفة وحب فلسطين دون قيادة سياسية واعية، أو قيادة عسكرية محترفة؛ فاستطاع العدو أن يسجل هدفه الأول، وهو: إلغاء فلسطين من الخارطة ووضع إسرائيل بدلًا منها، ولكي يمرر عدونًا ذو التجربة والمال هذا الهدف اختلق مسألة تقسيم فلسطين، ووافقت الدول الكبرى عليه... وسرعان ما رفضنا، ثم رضينا بهذا الأمر"، "والهدف الثاني الصهيوني: كان طردنا مِن فلسطين؛ ذلك أن الفلسطينيين كانوا حتى ما بعد التقسيم عام 1947م أكثر عددًا مِن اليهود بمعدل خمسة إلى واحدٍ، وبسبب حسن تدريبهم وقدرات قادتهم السياسية والمالية خاضوا ضدنا حربًا غير متكافئة فانهزمنا". "الهدف الثالث كان: طرد بقية الفلسطينيين والاستيلاء على كل فلسطين، وفي هذه الفترة كانت الدول العربية خارجة للتو مِن حكم الاستعمار لتدخل عالم الاستقلال الذي لم تتقن سياسته، ولم يكن عندنا زعامات فذة قادرة على شحن أبناء الأمة بالوطنية الصادقة، بل كان لدينا زعامات فارغة، أو هوجاء وطنيا، أو محبة للسلطة والمال؛ وبسبب تخبط الشعوب العربية في الجهل والفقر وعذاب الحاكم تمكنت إسرائيل مِن حشد أبنائها وتحصين الأراضي التي سيطرت عليها، وأنشأت فوقها دولة، وبينما كان العرب يتصايحون ويتقاتلون اندلعت حرب 1967م في غفلةٍ عربية، وضربت إسرائيل ضربتها وأذهلت العرب والعالم معًا لا بقوتها المفاجئة المنظمة فحسب، بل بكشف هشاشة القوة العربية العسكرية والتنظيمية، وبهذه الحرب حققت إسرائيل هدفها الثالث، وهو الاستيلاء على كل فلسطين، وأجزاء أخرى مِن مصر وسوريا، لكي تفاوض بها في المستقبل مقابل الاكتفاء بفلسطين فارغة مِن الفلسطينيين، أو مقابل إبرام معاهدة صلح مع العرب ينهون بها حالة العداء مع إسرائيل إلى الأبد، فتصبح إسرائيل الدولة الأقوى، والجارة المهيمنة في الشرق الأوسط كله، وتحقق بذلك هدفها الرابع" (راجع: المصدر السابق) .
ياسر عرفات:
اسمه: محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني، واشتهر باسم (ياسر عرفات)، وبلقب (أبو عمار). ولد بالقاهرة في عام 1929م، مِن أب فلسطيني، كان تاجرًا في سوق الجملة للخضار والغلال، وأم فلسطينية تدعى (زهوة)، مِن عائلة تعرف بعائلة (أبي السعود) مِن القدس. توفيت والدته وهو في الرابعة مِن عمره، فأرسله والده مع أخيه (فتحي) إلى خالهما في القدس، ثم أعاده إلى القاهرة بعد ثلاث سنوات، حيث عوضته زوجة أبيه المصرية عن حنان الأم الذي فقده. درس الهندسة في جامعة الملك فاروق، وعرف مِن صغره بالاجتهاد في الدراسة وروح التسامح وإقامة العلاقات العامة، وكان حريصًا على ارتداء الكوفية الفلسطينية ورابطة العنق.
ارتبط لفترةٍ بجماعة الإخوان المسلمين، خاصة بعد موقفها بعد نكبة 1948م، ولم ينفِ انتسابه لها، خاصة وقد شجعوه على خوض انتخابات مجلس الطلاب، فظهر كخطيبٍ ورجل علاقات، مع تميزه بالكوفية الفلسطينية، وأسس عام 1951م رابطة الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة.
انتقل للعمل بالكويت وهناك انخرط في العمل السياسي السري، وأسس أواخر 1959م حركة (فتح) الفلسطينية، وتولى رئاستها، ثم رئاسة منظمة التحرير حتى وفاته. انطلق مِن الكويت، وقاد العمل المسلح مِن عمان، وحوصر في بيروت، وانتقل إلى تونس، ثم عاد إلى غزة بعد اتفاق (غزة - أريحا) مع إسرائيل.
رغم حبه لمصر وتأييده لثورة يوليو 1952م لم يحظَ بعلاقات صداقة قوية مع عبد الناصر ثم السادات مِن بعده، لم ينسق مع القاهرة عند بدء أنشطة منظمة (فتح)، ولكنه طرق باب القاهرة بعد هزيمة 1967م، ونال تأييد عبد الناصر، وتولى رئاسة منظمة التحرير عام 1969م بعد استقالة الشقيري. ساهم عبد الناصر في إنقاذ عرفات ورجاله مِن مذبحة (أيلول الأسود) في الأردن عام 1970م.
ساعد انتصار حرب أكتوبر 1973م على تحسن العلاقة المصرية الفلسطينية، ونال الموافقة العربية على اعتبار منظمة التحرير التي يرأسها الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وألقى أشهر خطبه، وهو خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومما جاء فيه: "جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر؛ فلا تسقطوا الغصن الأخضر مِن يدي"، وقوله: "الحرب تندلع مِن فلسطين، والسلام يبدأ مِن فلسطين".
مع اتجاه مصر للتصالح مع إسرائيل ساءت العلاقات مع مصر وانتهت بالقطيعة، وتورطت المقاومة الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، ودخلت في مواجهاتٍ دمويةٍ امتدت إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينية، وأجبرت على الخروج مِن لبنان بعد الغزو الإسرائيلي للبنان، وتم اختيار تونس مقرًّا جديدًا لمنظمة التحرير.
أيد عرفات العراق في غزوها للكويت عام 1990م؛ مما تسبب في مقاطعة دول الخليج لمنظمة التحرير، وكان عرفات يأمل مِن ذلك دعم العراق للانتفاضة الفلسطينية التي بدأت عام 1987م، والتي أعقبها محاولة إعلان قيام الدولة الفلسطينية في 11 نوفمبر 1988م، ومع إحساس عرفات بالعزلة دخل في مفاوضات للسلام مع إسرائيل، وقع خلالها على اتفاقياتٍ عديدةٍ، في (أوسلو) 1992م، وفي (طابا) 1995م، وفي (واي- ريفر) 1998م، وفي (شرم الشيخ) 1999م.