شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (11)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال جابر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي؛ فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ؛ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ؛ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي؛ فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ( اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ). ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (رواه مسلم) .

في خطبة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعَرَفَة قواعد بناء المجتمع المسلم، وهدم الجاهلية.

بدأ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ببيان حُرمة الدماء والأموال، وفي رواية: ( وَأَعْرَاضَكُمْ )، وتعظيم هذه الحُرُمات؛ إذ شَبَّههَا بحرمة هذا اليوم العظيم في الشهر العظيم. و( بَلَدكُمْ هَذَا ): إشارة إلى مَكَّة المكرمة والأرض الحرام -وإن كان هو في عَرَفة ولَيْسَت مِن الحَرَم، لكنه يشير إلى البلدة- فغلّظ الأمر بهذه التشبيهات.

وقد كرر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا التأكيد يوم النحر، وفي خطبته في أيام التشريق، إضافة إلى النصوص العامة التي تُعظم حرمة المسلمين في دمه وماله وعرضه؛ وكأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يخاف على أُمَّتِه أن يَسفك بعضُها دماءَ بعض؛ إذ أن الله قد أعاذ أُمَّتَه مِن شيئين، فحين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ) (الأنعام:65) ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ )، قَالَ: ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ )؛ قَالَ: ( أَعُوذُ بِوَجْهِكَ )، قال: ( أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ )؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( هَذَا أَهْوَنُ أَوْ هَذَا أَيْسَرُ ) (رواه البخاري).

ولذا قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الحديث الصحيح الذي رواه مُسْلِمٌ عن ثَوْبَان -رضي الله عنه-: ( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ: إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا -أَوَ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ).

وبالفعل فإن سفك الدماء وانتهاك الحرمات كانت مِن أعظم أسباب الفساد في الأُمَّة، وتَسَلُّط الأعداء عليها؛ فما أخَذوا بلادَهم وانتَهكوا حرماتهم إلا لما سفَك بعضُهم دماءَ بعض، وسبى بعضهم بعضًا؛ وهذا يدلنا على عِظَم خَطَر هذا الأمر وعدم الاستهانة به، فقد بُني المجتمع المسلم على تعظيم حرمات أبناء الإسلام مِن كل وطنٍ أو شعبٍ أو قومية أو قبيلة أو عائلة؛ فبثبوت الإسلام -بالنطق بالشهادتين، أو بالولادة لأبوين مسلمين أو أحدهما، وبالأمور الأخرى التي فيها خلاف- تثبت كل هذه الحقوق، والحفاظ على استقرار المجتمع مِن داخِلِه، وبرعايتها؛ ولذا كانت الخوارج والروافض الذين يَسْتَحِلُّون دماء المسلمين -مِن أهل السُّنة- مِن أخطر أهل البدع، إذ بَنَوا ذلك على تكفير أهل السُنَّة وهم عامة أهل الإسلام، ولا تجد أحدًا يستهين بأمر الدماء إلا كان مخذولًا في الدنيا والآخرة؛ فَلْيَحْذَر المسلمون مِن كل ما يؤدي إلى سفك الدماء بغير حق.

ثم كانت الخلافات السياسية هي السبب الثاني في الخطورة بعد البدع التي أدت إلى سفك دماء المسلمين، وتوقف دعوتهم الجهادية التي تُخْرِج الأممَ والأقوامَ مِن الظُّلُمات إلى النور؛ فلا بد أن تظل الخلافات السياسية في حيزها، حتى لا يسمح لها بالتسبب في الاقتتال داخل المجتمع المسلم.

ثم يأتي فساد الذِّمَم -فيما يتعلق بالأموال والأعراض- مِن أعظم أسباب هدم الأمة وحصول الضرر لأبنائها، وهل ضعفت أُمَّتُنا إلا مِن خلال البِدَع والنزاعات السياسية والفساد المالي والخُلُقِيّ؟!

الصفحة التالية