تأملات في حجة الوداع (11)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
فمَن أراد بالأمة خيرًا فَلْيُحَارِب الفسادَ العَقَدِيّ، وَلْيُهَدِّئ مِن حِدَّة الاستقطاب والعناد في النزاعات السياسية، ولْيَجْتَهِد في الدعوة الإصلاحية، التي بها يمتنع الفساد المالي والسلوكي والخُلُقي.
ثم كان هدم الجاهلية الذي أعْلَنَه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أكبر تجمعٍ مِن الصحابة شَهِدَه -عليه الصلاة والسلام- فقال: ( أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ ).
إن الإسلام لا يقوم قيامًا تامًّا إلا بهدم الجاهلية؛ فكما أن كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله" تتضمن النفي والإثبات، فالنفي هدم جاهلية الشرك والكفر، والإثبات إقامة الإيمان بالله والتزام شرعه ودينه الذي بَعَث به رسولَه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فكذلك المجتمع المسلم لا تتم مَصَالِحه إلا بوضع الجاهلية وهَدْمِها.
والجاهلية: نسبة إلى الجهل، وهي حالة ومرحلة ما قبْل الإسلام، وخصائصها ومميزاتها في: مجال العقيدة والحكم، ووضع المرأة والحمية والعصبية، والنظام الاقتصادي، وفي أمور أخرى بيَّنَها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وفي كل واحدة مِن هذه المميزات التي وردت بها نصوص القرآن والسُّنة منها ما يكون جاهليةَ كُفْرٍ وشِرْكٍ، ومنها ما يكون جاهليةَ معصيةٍ أو بدعة.
فأما في مجال العقيدة، فقد قال -تعالى-: ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) (آل عمران:154) .
فظَنُّ الجاهلية: عقيدتها الفاسدة، والتي فُسِّرت في الآية بإنكار القَدَر، وبإنكار الحكمة، وبالاعتراض على التشريع الذي أمر به النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أمر عزوة أُحُد؛ فإنكار الحكمة في القَدَر وإنكار الحكمة في التشريع مِن ظَنِّ الجاهلية، ولا شك أن هذه بعض البقايا التي بقيت عند البعض الذين شَهِدوا أُحُدًا؛ وهذا يدلنا دلالة واضحة على أن مِن الجاهلية ما لا يكون كفرًا؛ فإن الذين قالوا ذلك كانوا ممَن شَهِد أُحُدًا، وليسوا منافقين، فإن المنافقين رجعوا مع عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول، ولم يَشْهَدوا الوقعة، ولقد عَفَا الله عن مَن شَهِدوا الواقعة، بنص الآية: ( وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ) (آل عمران:155) .
ولذا يجب الحذر مِن الخطأ الكبير في استعمال لفظ: "الجاهلية" -خصوصًا في وصف المجتمع- مرادفًا للفظ الكفر، كما كثر استعماله عند سيد قُطْب ومَن تَبِعَه.
- وبعضُهم كَفَّر المجتمع الذي سَمَّاه جاهليًا بالكلية كجماعات التكفير -كشكري مصطفى ومَن وَافَقَه-، فحكموا بالكفر على كل أفراده إلا جماعتهم.
- ومنهم مَن كَفَّر طوائف كثيرة مِن المجتمع: كالدولة والجيش والشرطة، والأحزاب والهيئات السياسية، وكل مَن يشارك في الانتخابات بلوازم باطلة أن هذا رضًا بالطاغوت والشرك، وهذا باطل.
- ومنهم مَن جعل المصطلح مُمَاثِلًا لمصطلح "دار الكفر" عند أهل العلم، كما فعله محمد قطب، ثم قسَّم المجتمع إلى ثلاث طبقاتٍ مِن جهة الحكم على الأفراد:
1- مسلمين بلا شبهة، وهذه طبقة المتابعين لهم.
2- وكفار بلا شبهة، وقد توسعوا فيها جدًّا بلا ضوابط التفريق بيْن الكفر الأكبر والأصغر، وبلا ضوابط التفريق بيْن النوع والعين، وبلا تطبيق لمسائل استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، بل يجعلونها مِن الشبهات التي لا بد مِن ردها؛ فحصل الخلل العظيم بسبب هذا المصطلح.
3- وأما الطبقة الثالثة فهي الطبقة المتميعة التي لا نشغل أنفسنا بالحكم عليها، كما قال عنهم صاحبُه في "التوقف والتبين" عبد المجيد الشاذلي: "فنتوقف في مواضع اللوث"، وهذه الطائفة مجهولة الحكم يسهل اتخاذ المواقف ضدها، ويقع التساهل في تعريض دمائها وأعراضها وأموالها للخطر فداءً للطائفة الأولى، ومَن كان منهم مسلمًا في الحقيقة فحسابه على الله في الآخرة، ولا يضرنا سفك دمه أو انتهاك حرمته في الدنيا -نعوذ بالله مِن ذلك-.
ولا شك أن التوسع في هذا الأمر أدى إلى أنواع المخاطر التي تُهَدِّد المجتمعات المُسْلِمة، وهي في الحقيقة مِن البِدَع التي هي مِن ظَنِّ الجاهلية، لعدم وجود الدليل عليها، وبنائها على الجهل لا العلم.
وقد ذكر ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- فصلًا رائعًا في "زاد المعاد" حول ظَنِّ الجاهلية، بَيَّن فيه شمولَ ذلك لأنواعٍ مِن البِدَع الاعتقادية سواء ما يكون كفرًا أو ما يكون بدعة.
نذكره في المقال القادم -بإذن الله-.