شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (50) ثورة زيد بن علي بن الحسين عام 122هـ

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

ثم إن زيدًا -رحمه الله- عزم على الخروج بمَن بقي معه مِن أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء مِن مستهل صفر مِن هذه السَّنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبه على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء، قبْل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع أصحابه النيران، وجعلوا ينادون: "يا منصور، يا منصور"، فلما طلع الفجر وقد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلًا، فجعل زيد يقول: "سبحان الله! أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون". وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضًا في طائفةٍ كبيرةٍ مِن الناس، والتقى الطرفان وانتصر زيد في بداية الأمر، وكلما لقي طائفة هزمهم، وجعل أصحابه ينادون: "يا أهل الكوفة، اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا"، ثم لما أمسوا انضم إليه جماعة مِن أهل الكوفة، وقد قٌتل بعض أصحابه في أول يوم، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة مِن أهل الشام، فقتل منهم سبعين رجلًا، وانصرفوا عنه بشر حال، ثم عبأ يوسف بن عمر جيشه جدًّا، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة -موضع بالبصرة-، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجله، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا جدًّا، حتى كان جنح الليل رٌمي زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فوصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، وأٌدخل زيد في دارٍ، وجيء بطبيبٍ فانتزع ذلك السهم مِن جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات مِن ساعته -رحمه الله-. (البداية والنهاية لابن كثير) ، فدفنوه في ساقية ماء وجعلوا على قبره التراب والحشيش؛ خوفًا مِن أن يمثِّل الوالي الأموي بجثته، ولكن تم الوصول إلى قبره فنبشوا قبره وصٌلب جثمانه، وأرسل يوسف برأسه إلى هشام (تاريخ الرسل والملوك للطبري) ، ولما وصل رأس زيد إلى هشامٍ استاء مِن قتله وكان لا يحب القتل (الدولة الأموية ليوسف العش) .

وبعد مقتل زيد توجه ابنه يحيى إلى خراسان، فأقام بها مدة إلى حين وفاة هشام بن عبد الملك، وولاية الوليد بن يزيد فخرج، وسرعان ما قٌتل أيضًا، ويرى الذهبي أن يحيى قٌتل بخراسان في عهد هشام (سير أعلام النبلاء) ، وقال الليث بن سعد: "قٌتل يحيى سنة 125هـ - 743م، وقد تأثر هشام لمقتل زيد ويحيى ودخله مِن مقتلهما أمر شديد حتى قال: "وددت لو كنتُ افتديتهما"، وهكذا انتهت ثورة زيد بن علي سريعًا كما بدأت سريعًا.

أثر مقتل زيد على الدولة الأموية:

كان لثورة زيد بن علي تأثير مهم في سير الأحداث التي وقعتْ في العصر الأموي، وتمخضت عنها نتائج بعيدة المدى، وكان فشلها بمثابة الدافع لحركاتٍ أخرى حذت حذوها، فقد هرب يحيى بن زيدٍ إلى خراسان، وأعلن الثورة على الأمويين هناك، ومع أن يحيى فشل في القضاء على الحكم الأموي كما فشل أبوه مِن قبْل إلا أن هاتين الثورتين مهدتا بصورةٍ غير مباشرة الطريق للقضاء على الدولة الأموية، واستغل العباسيون العطف الذي لقيه يحيى بن زيد في خراسان لكسب الأتباع والأنصار لهم، وحين قٌتل يحيى بن زيد ظل أهل خراسان يبكون بالليل والنهار (ثورة زيد بن علي لناجي حسن، والدولة الأموية للصلابي) .

وبعد وفاة هشام بن عبد الملك عام 125هـ - 743م دبَّ الوهن والصراع داخل البيت الأموي نفسه، وكثر النزاع على العرش وولاية العهد، واتجهت الدولة نحو التصدع والانهيار، وبرز هذا التصدع منذ ولاية الوليد بن يزيد عام 125هـ، ثم يزيد بن الوليد بن عبد الملك عام 126هـ - 744م، ثم إبراهيم بن الوليد عام 126هـ - 744م، ثم مروان بن محمد عام 127هـ - 745م وعلى يديه سقطت الدولة الأموية وقامت الدولة العباسية عام 132هـ - 750م، وذلك بعد أكثر مِن تسعين عامًا حفلت بالفتوحات والأحداث الجسام.

ولقد أدت تلك الثورات الكثيرة إلى تصدع البيت الأموي وسقوط الدولة الأموية، وبذلك غربت شمس الأمويين التي سطعتْ على بلاد المسلمين أكثر مِن تسعين عامًا، حفلت بالفتوحات والأمجاد، وبرزت فيها الثورات، وأصبحت أعمالهم تاريخًا يقرأ وصفحات تطوى، وذكريات تحكى، ودروس وعظات، فسبحان مَن بيده الملك يؤتيه مَن يشاء، وينزعه ممَن يشاء، وهو على كل شيء قدير.

وهكذا التاريخ يعلمنا: أن التغيير له أصول وضوابط، فلابد مِن دراسة الواقع دراسة متأنية، ودراسة موازين القوى، والقدرة والعجز، والترجيح بيْن المصالح والمفاسد، فاحذروا مِن التهور والتسرع، واعلموا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

ولا شك أن الغاية الكبرى مِن دراسة التاريخ هي العبرة والعظة، واستخلاص الدروس المستفادة، قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ) (يوسف:111) ، وتاريخنا الإسلامي تاريخ مشرق في جملته، يمتلئ بالصفحات المشرقة رغم ما فيه مِن بعض الأحداث المؤلمة كبعض الأحداث التي وقعتْ في القرن الأول، فليس هناك أمة على وجه الأرض سار تاريخها على منوالٍ واحدٍ مِن الانتصارات والفتوحات والازدهار والحضارات المشرقة، فلكل أمة كبوة في فترةٍ مِن الزمن طالت أو قصرت.

إننا بحاجةٍ إلى إعادة صياغة التاريخ الإسلامي؛ لنبيِّن حسنات هذه الأمة ومظاهر حضارتها، ونعيد فتح صفحات أمجادها بعد أن قام البعض بتشويه تاريخ أمتنا؛ وذلك عن طريق دس الأكاذيب والضلالات والأخبار الموضوعة في بعض كتب التاريخ؛ مما أدى إلى تشويهه، فإن هذه الفترة التاريخية التي تناولتها في هذه السلسلة هي مِن أكثر الفترات التي تعرضت للتشويه وطمس الحقائق.

وإن الناظر والمتأمل في الأحداث بعين العدل والإنصاف يعلم علم اليقين أن مسألة الحٌكم مِن أشد الأمور تعقيدًا، وقد ظهر ذلك جليًّا في نهاية عصر أمير المؤمنين عثمان، وفي مدة خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية