شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (50) ثورة زيد بن علي بن الحسين عام 122هـ

زين العابدين كامل • السيرة والتاريخ

قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد يظن مَن لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطأ، فللبيئة مِن التأثير في الحاكم وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم من التأثير على البيئة، وهذا مِن معاني قول الله -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) .

ومما نتعلمه مِن هذه الأحداث التاريخية: أن الحماس وحده لا يكفي، وأن الإخلاص وحده لا يكفي أيضًا، بل لابد مِن مراعاة الواقع، والترجيح ما بيْن المصالح والمفاسد، وتقدير مواطن القوة والضعف، ولابد مِن مراعاة المصالح العليا للعباد والبلاد، فالشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ثم إن الواجب علينا في الفتنة بيْن الصحابة هو الإمساك عما شجر بيْن الصحابة إلا فيما يليق بهم -رضي الله عنهم-؛ لما يسببه الخوض في ذلك مِن توليد العداوة والحقد والبغض لأحد الطرفين، ويجب على كل مسلمٍ أن يحب الجميع ويرضى عنهم ويترحم عليهم، ويحفظ لهم فضائلهم، ويعترف لهم بسوابقهم، وينشر مناقبهم، وأن الذي حصل بينهم إنما كان عن اجتهادٍ، والجميع مثابون في حالتي الصواب والخطأ، غير أن ثواب المصيب ضعف ثواب المخطئ في اجتهاده، وأن القاتل والمقتول مِن الصحابة في الجنة.

وقد سئل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عن القتال الذي حدث بيْن الصحابة، فقال: "تلك دماء طهر الله يدي منها فلا أحب أن أخضب بها لساني".

وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "واتفق أهل السُّنة على وجوب منع الطعن على أحدٍ مِن الصحابة؛ بسبب ما وقع لهم مِن ذلك، ولو عرف الحق منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهادٍ" (1) .

وختامًا: فهذا ما يسره الله لي مِن جمع وترتيب في هذه المقالات الخمسين، وما كان مِن خطأ أو زللٍ فمني ومِن الشيطان، وما كان مِن توفيقٍ فمِن الله وحده؛ فهو محض فضل الله عليَّ، فله الحمد حتى يرضى، وله الحمد عند الرضا، وله الحمد بعد الرضا، وإذا كان شرف العلم في موضوعه وغايته ومسائله وبراهينه وشدة الحاجة إليه، فإن بلوغ هذا الشرف درب طويل، وأمانة ثقيلة؛ نجاح أدائها هو شرف الدنيا وعز الأخرة، وبهذه الثورة نكون قد انتهينا -بفضل الله تعالى- مِن عرض جميع أحداث الفتن السياسية منذ الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وحتى مقتل زيد بن علي -رحمه الله-.

والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن خلدون -رحمه الله-: "هذا هو الذي ينبغي أن تُحمل عليه أفعال السّلف مِن الصّحابة والتّابعين، فهم خيار الأمّة، وإذا جعلناهم عرضة للقدح فمَن الذي يختصّ بالعدالة، والنّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يقول: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) ، مرّتين أو ثلاثا، فجعل الخيرة وهي العدالة مختصّة بالقرن الأوّل والّذي يليه، فإيّاك أن تعوّد نفسك أو لسانك التّعرّض لأحدٍ منهم، ولا يشوّش قلبك بالرّيب في شيء ممّا وقع منهم، والتمس لهم مذاهب الحقّ وطرقه ما استطعت، فهم أولى النّاس بذلك، وما اختلفوا إلّا عن بيّنةٍ، وما قاتلوا أو قتلوا إلّا في سبيل جهاد أو إظهار حقّ، واعتقد مع ذلك أن اختلافهم رحمة لمَن بعدهم مِن الأمّة ليقتدي كلّ واحد بمَن يختاره منهم، ويجعله إمامه وهاديه ودليله، فافهم ذلك وتبيّن حكمة الله في خلقه وأكوانه، واعلم أنه على كلّ شيء قدير، وإليه الملجأ والمصير، والله تعالى أعلم" (انظر مقدمة ابن خلدون، ص 272) .

الصفحة السابقة