شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أوهام السلام مع إسرائيل

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد وصلت الأوضاع في المنطقة العربية بعد معاهدة السلام "المصرية - الإسرائيلية" أواخر السبعينيات، وبعد اتفاقيات السلام الفلسطينية الإسرائيلية في بداية التسعينيات، وبعد التطورات الأخيرة في المنطقة العربية، إلى مرحلة تجعل وضع إسرائيل هو الوضع الأفضل، الذي يمكنها مِن فرض شروطها وتصورها للسلام كما تريده هي -كما سنبينه-.

لقد أصبح العرب عامة "والفلسطينيون خاصة" في حالةٍ مِن الضعف لا يمكنهم معها -على أرض الواقع- أن يملوا تصورهم الحالي للسلام، على ما فيه مِن التنازلات والتفريط في الحقوق والأرض، بل لم يعد غريبًا أن يقال إن أي مباحثات مع إسرائيل أو مفاوضات ستكون غير مجدية، بل ستكون غطاءً لتحقيق المخطط الصهيوني في المنطقة، واستكمال الحلم الذي سعت -وتسعى إليه- الصهيونية العالمية، في غفلةٍ مِن أصحاب القضية الذين صاروا في تشتتٍ وتيه، فقدوا معه الحد الأدنى مِن الاتفاق على كيفية التعامل مع ما يُخطط لهم!

لقد قامتْ إسرائيل بعد أكثر مِن خمسين عامًا على إعلان قيامها مِن الاستيلاء والسيطرة على كل فلسطين التاريخية، بل وأعلنت القدس عاصمة أبدية لها! ولقد صادرت السلطات الإسرائيلية أكثر مِن نصف أراضي الضفة الغربية مصادرة كاملة، وحولتها إلى الملكية اليهودية، كما ضمت القطاع العربي مِن القدس الشرقية لها ضمًّا تامًّا، بقانون أصدره الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر 1980 م، وهي بصدد تفريغه مِن بقية سكانه العرب، كي يتم تهويد القدس تهويدًا كاملًا "أرضًا وسكانًا"، كما أنها تقوم كذلك بتطويق القدس وجميع المدن العربية بعشرات المستوطنات اليهودية بهدف مد التواجد اليهودي مِن جهة، والتضييق على الفلسطينيين مِن جهة، وبالتالي دفعهم إلى النزوح مِن أراضيهم ومغادرة ديارهم.

إن إسرائيل تسعى حاليًا إلى تكريس الدولة اليهودية تكريسًا نهائيًّا في الواقع الجغرافي؛ لضمان أمنها، وتطورها السكاني، واستمرار الهجرة اليهودية إليها، وقد احتلت إسرائيل الجولان السورية، وأعلنت ضمها لدولة إسرائيلية، وقد زاد عدد اليهود في إسرائيل والأراضي المحتلة عن 3.5 مليون يهودي في التسعينيات مِن القرن العشرين.

ولقد طورت إسرائيل مِن قدراتها العسكرية تطورًا كبيرًا، بناءً على المساعدات الحربية والمالية الضخمة التي تقدمها لها حليفتها الاستراتيجية أمريكا، والأثرياء مِن رجال الأعمال اليهود وبيوت المال، واستطاعت إسرائيل أن تنهي حالة الحرب مع مصر والأردن، وأضعفت المقاومة الفلسطينية حتى كادت أن تصير خارج المعادلة.

وإسرائيل تعرف هدفها، وتضع كل ما لديها مِن قوةٍ عسكريةٍ، وقوةٍ سياسيةٍ، وقوةٍ إعلاميةٍ؛ لتحقيق هذا الهدف، وهو إقامة دولة إسرائيل الكبرى في المنطقة العربية (والشرق الأوسط)، كمرحلةٍ يعقبها السعي إلى سيطرة اليهود والصهيونية العالمية على العالم كله، كما دونه وصرح به كبار زعماء الصهيونية وإسرائيل على مدى العقود الطويلة الماضية.

ولتحقيق ذلك وفي مواجهة الشعب الفلسطيني:

تسعى إسرائيل مِن خلال برامج الاستيطان ومصادرة الأراضي، واستخدام مختلف وسائل العنف والقمع، بل واللجوء إلى الحروب والاعتداءات العسكرية المحدودة مِن وقتٍ لآخر على سكان قطاع غزة إلى إرغام الآلاف مِن الفلسطينيين على النزوح مِن غزة والضفة الغربية، أما المناطق التي بها كثافة سكانية فلسطينية فتعمد السلطات الإسرائيلية إلى تحويلها إلى مناطق معزولة عن بعضها البعض أشبه بالمحميات، وتضعها بصفةٍ دائمةٍ تحت المحاصرة والسيطرة الإسرائيلية، بالتحكم في مداخلها ومخارجها والمعابر الموجودة بينها، أشبه بما كانت تفعله سلطات التمييز العنصري في جنوب إفريقيا -سابقًا- مع الأفارقة السود أصحاب الأرض مِن وضعهم في (كنتونات) معزولة ومحاصرة، لا تمكنهم مِن التحرك فيها أو التنقل بينها بحرية.

وتبني إسرائيل استراتيجيتها في أي مفاوضات مع الفلسطينيين على منع قيام دولة فلسطينية بالمفهوم المعروف للدولة، ورفض السماح للفلسطينيين اللاجئين، والذين أجبروا على مغادرة أرضهم وديارهم بالعودة إليها.

لقد بلغ عدد الفلسطينيين في التسعينيات نحو 5 مليون فلسطيني، منهم:

- 700 ألف فلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1948م، والذين يطلق عليهم: (عرب إسرائيل).

- أكثر من 900 ألف فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية.

- أكثر من 500 ألف فلسطيني في قطاع غزة.

أي أن هناك أكثر مِن مليوني فلسطيني حاليًا داخل فلسطين المحتلة.

وهناك أكثر مِن مليون وربع مليون فلسطيني يعيشون في الأردن، وأكثر مِن نصف مليون فلسطيني يعيشون في لبنان، ونحو ربع مليون فلسطيني كانوا في سوريا قبْل الأحداث التي تعرضت لها سوريا في عام 2011م وما بعده، ونحو ربع مليون في الكويت، ونحوهم في السعودية والعراق ودول الخليج الأخرى، بالإضافة إلى مئات الألوف مِن الفلسطينيين يعيشون في باقي الدول العربية وباقي دول العالم.

وهذه الملايين مِن الفلسطينيين ترفض إسرائيل -وبشدة- أن يكون لهم حق العودة إلى فلسطين في يومٍ مِن الأيام، وهي تحاول إذابة مَن بداخل إسرائيل نفسها مِن العرب.

إن إسرائيل لا تعترف بوجود شعب فلسطيني كان يعيش على أرض فلسطين ويمتلكها قبْل مجيء اليهود الصهاينة إليها، وإنما هم عرب موطنهم البلاد العربية، أما أرض فلسطين فهي لليهود دون غيرهم! هكذا سولت لهم أنفسهم، ويحاولون أن يرغموا غيرهم على تقبل هذا الفكر والاعتراف به.

ولا شك أن وجود هذه الأعداد الكبيرة مِن الفلسطينيين -كانت وما زالت، وستبقى إن شاء الله- مصدر قلق لإسرائيل على المدى القريب والبعيد؛ خاصة في ظل صمود شعب فلسطين وتمسكه بأرضه، رغم القمع والعنف والسياسات التعسفية لقوات الاحتلال الإسرائيلية، والحروب التي تشنها مِن آنٍ لآخر على سكان قطاع غزة الصامدين.

الصفحة التالية