شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أوهام السلام مع إسرائيل

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

إن إسرائيل تتمسك بسياساتها تجاه الفلسطينيين بكل ما أوتيت مِن قوة، والفلسطينيون يتمسكون بصمودهم إلى أقصى حدٍّ ومهما كانت التضحيات، وهذا الأمر مما ينبغي استثماره والبناء عليه، بإعانة الشعب الفلسطيني الصامد ماديًّا ومعنويًّا، والتخطيط لمساندته ولتقويته ولإعداده الإعداد المناسب، إذ ينبغي أن يكون هو أول مَن يكون في مواجهة الأطماع الإسرائيلية، وينبغي أن تكون له قيادة موحدة قادرة على الاضطلاع بهذه المسؤولية، مِن خلال هدف استراتيجي واضح، وأهداف مرحلية مدروسة.

لقد أخطأنا عندما لم نجعل الفلسطينيين في أول صفوف المعركة مع إسرائيل مِن بداية الصراع، وسنواصل خطأنا لو تركنا الفلسطينيين وحدهم اليوم في مواجهة إسرائيل بلا إمكانياتٍ ومساندةٍ، ودعم مادي ومعنوي يمكنها مِن الاستمرار في الصمود، فهم أصحاب حق يدافعون عنه، ونستطيع إقناع العالم الحر به، والشعوب العربية والإسلامية لم ولن تعدم القدرة على دعم ومساندة الفلسطينيين ماديًّا ومعنويًّا، والتخطيط المستقبلي المتدرج لتحقيق ذلك، حتى وهي في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها الأمة حاليًا، فالخطب جليل ولا يحتمل التأجيل.

وفي مواجهة الدول العربية:

تسعى إسرائيل للهيمنة على المنطقة العربية بطرقٍ متعددةٍ، منها:

1- محاولة تفكيك المنطقة إلى دويلاتٍ صغيرةٍ طائفيةٍ متناقضةٍ متناحرةٍ، فتزيد مِن فرصتها في بسط هيمنتها على المنطقة، إذ يقلل مِن فرصتها في الهيمنة وجود دول في إقليمها كبيرة وقوية، ويعصف بكل أحلامها تحقق الوحدة أو التضامن بيْن الدول العربية، وللأسف الشديد فإن الحكام العرب بنظرتهم القاصرة وتطلعاتهم المحدودة وانشغالهم بقضاياهم الخاصة على حساب قضيتهم العامة، إلى جانب ما تغوص فيه الأمة مِن مذاهب طائفية وفواصل حدودية وسياسة صنعها الاستعمار قبْل رحيله لتمزيق الأمة، كل ذلك هيأ ويهيأ لإسرائيل خاصة ولأعداء الأمة عامة ما يتطلعون إليه ويطمعون فيه، فمِن تقسيم السودان، إلى تهيئة العراق للتقسيم، إلى تصاعد القلاقل والنزاعات في لبنان بما يفقده استقراره، إلى الحروب الأهلية الطاحنة في سوريا وليبيا واليمن.

2- السعي إلى التطبيع مع الدول العربية لفك وإنهاء الحصار الاقتصادي المفروض عليها مِن الدول العربية في المنطقة، فالتطبيع أداة إسرائيل لانتعاشها اقتصاديًّا، وتغلغلها ثقافيًّا وإعلاميًّا في المنطقة، وبالتالي تقبلها كعضوٍ وشريكٍ دائم في المنطقة.

إن إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل مِن قِبَل جيرانها العرب قد يغلق باب الغزو العسكري، ولكنه قطعًا سيفتح باب الغزو الفكري -غير العسكري-؛ إذ أن إسرائيل جسم غريب عن المنطقة العربية يخالفها حضاريًّا ودينيًّا، ومشبع بالعنصرية والنزعة الاستعمارية، والدول في المنطقة تابعة للهيمنة الأمريكية والغربية اقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا.

إن إنهاء حالة الحرب قد يترتب عليه ظاهريًّا توقف التمدد الإسرائيلي وتجمد أحلام المزيد مِن التوسع لدولة إسرائيل، ولكنه سيكون هدفًا مرحليًّا، يوفِّر لها الأمن والاستقرار، بما يساعد على زيادة الهجرة اليهودية إليها، ويفتح باب السيطرة والهيمنة الاقتصادية والإعلامية والثقافية فيها.

3- الدعوة إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي تكون فيه إسرائيل الطرف الفعال في المنطقة مِن خلال مشروعات مشتركة تمولها الدول العربية، وتديرها العقلية الإسرائيلية؛ لتتمكن مع الوقت مِن السيطرة على مقدرات الأمور.

وقد تعرض الدكتور أحمد شوقي الفنجري لقضية السلام مع إسرائيل في كتابه: (الجولة القادمة بيْن العرب وإسرائيل)، وهو كتاب مطبوع منذ سنواتٍ طويلةٍ، قال فيه ما مختصره: "هناك خرافة أطلقها بعض الحالمين أو المضللين تقول: هناك حل سلمي ستفرضه الأمم المتحدة أو الدول الأربع الكبرى"، والغريب "تعلق هذه الخرافة بعقولنا نحن العرب المسلوبي الحقوق، ولا تخطر ببال إسرائيل إلا كوسيلةٍ لادعاء السلام وكسب العطف... بل لقد أصبح بعض المفكرين العرب يتاجرون على شعوبهم بكلمة الحل السلمي، تمامًا كما كان بعضهم يتاجر بقضية فلسطين مِن قبْل -يريد المتاجرة بالحرب مع إسرائيل-، وذلك رغبة في تخدير الناس، وتفويت الفرصة على المنادين بالإعداد للعدو، ومعظم دول العالم الغربي ومعها وفي مقدمتها إسرائيل تساعد على إيجاد هذا الأمل الكاذب لدى الشعوب العربية دون أن تفعل شيئًا حقيقيًّا في هذا السبيل". "إن الحل السلمي لو تم فعلًا لن يحول دون جولة ثانية بيْن العرب وإسرائيل مهما طال الزمن لأمورٍ، منها:

1- إن وجود إسرائيل في حد ذاته خطر على كل بلد عربي حتى لو كان بعيدًا عن حدودها، فإسرائيل ما زُرعت في هذه المنطقة إلا لإضعافها، والحد مِن نموها وتقدمها والسيطرة عليها وعلى مقدراتها.

2- إن هذا الحل إن لم يشمل حل القضية الأصلية وهي القضية الفلسطينية حلًّا جذريًّا يعيد للشعب الفلسطيني أرضه وحقوقه، فإن الحل لن يكون مجديًا ودائمًا، وقد يظن البعض أنه بالإمكان إرضاء الشعب الفلسطيني بطريقة أو بأخرى إلى أن تموت قضيته، وتبرد همته، وهؤلاء السطحيون لا يفقهون حقيقة الشعوب وإصرارها وعنادها مِن أجل البقاء، ورفضها محاولات الإبادة وتشتيت الكيان.

ولقد أفلت الشعب الفلسطيني أخيرًا مِن وصاية أي زعيم عربي أو حكم فردي، وهذه نقطة تحول في كفاح الشعوب نحو الاستمرار والصمود؛ أن يصبح كفاحها مِن أجل المبدأ لا الفرد، والشعوب إذا انطلقت في ثورتها فلا يمكن إيقافها مهما طال بها الأمد، فثورة شعب الجزائر استمرت سبع سنوات، وثورة الجنوب العربي استمرت خمس سنوات، وثورة شعب فيتنام أكثر مِن عشرين سنة.

وقد كان الرأي السائد في إسرائيل وفي الغرب أنه عندما ينتهي جيل 48 مِن الشعب الفلسطيني فسوف تنشأ أجيال أخرى في المخيمات لا تعرف شيئًا عن فلسطين، ولكن خاب ظنهم وظهرت أجيال أشد إصرارًا وصلابة وعزمًا على السير والكفاح حتى النهاية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية