شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الخلاف بيْن "فتح" و"حماس" وأثره على القضية الفلسطينية

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن الأمور العجيبة في القضية الفلسطينية أن حركة (فتح) الفلسطينية خرجتْ مِن (الإخوان المسلمين) في فلسطين في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ومع مرور الزمن لم تعد فتح تمت بصلة إلى الإخوان المسلمين، أما حركة (حماس) فهي الآن تمثِّل الإخوان المسلمين في فلسطين، والحركتان الآن في مواجهة ساخنة، رغم انحدارهما مِن مصدرٍ واحدٍ مِن جهة النشأة، وهي مواجهة أثرت بشدة على مسار الحركة الوطنية الفلسطينية في صراعها مع إسرائيل.

فكيف كانت النشأة؟!

وكيف آلت الأمور إلى ما نحن فيه؟!

هذا ما سنحاول أن نجيب عليه بقدر الاستطاعة في هذه العجالة، ونسأل الله -تعالى- التوفيق فيها.

نشأة منظمة (فتح):

كانت حركة الإخوان المسلمين تعمل داخل قطاع غزة بصورةٍ علنيةٍ في بدايات الخمسينيات، وكان قطاع غزة بعد نهاية حرب 1948م تحت الإدارة المصرية، وقد لوحظ حتى خريف 1954م ظهور تيار له طابع جهادي قاده (خليل الوزير) مسئول شباب الإخوان في قطاع غزة، تبلورت عنه (كتيبة الحق)، برئاسة خليل الوزير نفسه، وبعد ضرب الإخوان المسلمين في مصر عقب الصدام مع عبد الناصر في أواخر 1954م، تحولت الجماعة في قطاع غزة للعمل تحت الأرض، وانفض عنها كثيرون، ممن كانوا يظنون أن حركة 23 يوليو هي حركة تابعة للإخوان المسلمين، فتدفقوا على شعب الإخوان في غزة، لكن سرعان ما انسحبوا عند التأكد مِن عدم استمرار العلاقة بيْن الإخوان وقادة ثورة يوليو، بل ووقوع الصدام الدامي بينهما -كما هو معلوم-.

وعقب مظاهرات اندلعت في غزة في أول مارس 1955م عقب عدوان إسرائيلي على القطاع راح ضحيته 39 جنديًّا مصريًّا وفلسطينيًّا وسودانيًّا شنت أجهزة الأمن المصرية حملة اعتقالات طالت 68 مِن الإخوان المسلمين والشيوعيين والمستقلين.

وخلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م احتلت إسرائيل قطاع غزة، ثم انسحبت منه في 7 مارس 1957م، ورأى بعض الإخوان في غزة أن العمل الفدائي سوف يهز الكيان الإسرائيلي، وأنه بعد مرور ثلاث سنوات مِن سيطرة فكرة الثأر مِن عبد الناصر -بسبب ضربته للإخوان في خريف 1954م- لم يجنِ الإخوان إلا العزلة والتضييق الأمني عليهم، وعليه تقدم خليل الوزير بمذكرة دعا فيها التنظيم الفلسطيني للإخوان إلى إقامة تنظيم جديد بجانب الإخوان، لا يحمل لونًا إسلاميًّا، ويعمل مِن أجل تحرير فلسطين عبْر الكفاح المسلح، بدون توجهاتٍ حزبيةٍ أو أيديولوجية، فيكسر الطوق الأمني الناصري، ويعيد فتح الأبواب للإخوان على الجماهير، ولكن قادة الإخوان في قطاع غزة رفضت مضمون تلك المذكرة، لكن التربة كانت خصبة لنمو الفكرة، فتكونت نواة مِن الشباب كانت مقتنعة بذلك، وسرعان ما ظهرت مجلة (فلسطيننا) الشهرية في بيروت، معبرة عن الفكر الجديد، الداعي إلى الارتفاع فوق الصراعات (العربية - العربية)، وعدم التدخل في الشئون الداخلية لأي دولة عربية، واتخاذ الكفاح المسلح طريقًا لتحرير فلسطين، وقد التقت المجموعة المؤسسة مِن غزة وسوريا في الكويت، وكانت نواة لمنظمة (فتح) عام 1958م.

وقد تأثر نمو الفكرة خلال الوحدة بيْن مصر وسوريا في 22 فبراير 1958م، وتعزز شعار: (الوحدة العربية طريق تحرير فلسطين)، ومع حدوث الانفصال بيْن مصر وسوريا في 28 سبتمبر 1961م، تجددت الفكرة مِن جديد.

ظهور المنظمات الفلسطينية:

ومع إعلان استقلال الجزائر في صيف 1962م، ودعوة الرئيس الجزائي (أحمد بن بيلا) الشعب الفلسطيني للسير على خطى الثورة الجزائرية، ولدت العديد مِن المنظمات الفدائية الفلسطينية، كان مِن أبرزها منظمة (فتح)، والتي اختارت لنفسها اسم: (حركة التحرير الفلسطينية)، وحين أراد منظموها اختصار الاسم وجدوا الاسم المختصر هو (حتف)، فقلبوه إلى فتح، والتي بدأت تحركها في أكتوبر 1963م، وكان في مقدمة مؤسسيها خليل الوزير، الذي كان مِن قبْل في أوائل الخمسينيات مسئول شباب الإخوان في قطاع غزة، ومال إلى الاتجاه الجهادي والدعوة لتكوين تنظيم مسلح يعمل لتحرير فلسطين بعيدًا عن أي انتماء، ومعلوم أن (ياسر عرفات) الذي تولى رئاسة منظمة فتح، وكان رفيق درب خليل الوزير، كان أيضًا منتميًا للإخوان المسلمين أثناء دراسته في القاهرة، قبْل سفره للعمل في الكويت، ثم الانضمام إلى فتح، وكانت هذه الخلفية التاريخية لعرفات مِن أسباب عدم وجود صداقة قوية بينه وبين عبد الناصر حتى بعد توجه عرفات للقاهرة بعد هزيمة يونيو1967م، واعتراف عبد الناصر بالمنظمة، وتقديمه العون المادي والمعنوي لها.

وقد عارضت قيادة إخوان قطاع غزة مذكرة خليل الوزير إذ اعتبروها غير واقعية، ولن تصل إلى هدف تحرير فلسطين؛ إذ تفتقد القوة الأساسية اللازمة لذلك، وستقابلها العديد مِن المعوقات، كرفض الدول العربية لها، أو محاولة إخضاعها لسياساتها حال ممارسة نشاطها فوق أراضيها؛ لذا فالأولى مضاعفة الجهد في نصرة الحركة ورفع شأنها، لتقوم بدفع الأمة ككل لتحرير فلسطين.

وشهدت تلك الفترة درجة مِن محاولة انتزاع أفراد مِن الإخوان لصالح فتح، كانوا -ولفترة- الاتجاه اليميني في فتح في مقابلة الاتجاه الوطني السائد فيها، وسعي إخوان غزة إلى اصطفاف أعضائهم حول الإخوان مِن جديد (راجع في ذلك: "فتح وحماس: صراع الديكة أم تصادم مناهج؟) تأليف: عبد القادر ياسين ط. مكتبة جزيرة الورد القاهرة ط. الأولى 2011م، ص 9 -15).

خليل الوزير أبو جهاد:

هو خليل إبراهيم الوزير، واسمه الحركي (أبو جهاد)، مِن أهم القادة والسياسيين لفتح وجناحها العسكري، وُلد في 10 أكتوبر 1935 بمدينة الرملة، انتقل إلى غزة في أعقاب حرب 1948م، وانتخب أمينًا عامًّا لاتحاد الطلبة في غزة، وشكَّل منظمة سرية كانت مسئولة عن تفجير خزان كبير للمياه قرب قرية بيت حانون في عام 1955م، تخرج مِن جامعة الإسكندرية عام 1956م، وعمل بالسعودية في التدريس لأقل مِن عام، ثم غادرها إلى الكويت وظل بها حتى عام 1963م، حيث تعرف فيها على ياسر عرفات رفيق دربه، وشاركه في تأسيس منظمة فتح، تولى مسئولية مجلة (فلسطيننا) التي تحولت إلى منبرٍ لاجتذاب المنظمات الفلسطينية التي كانت متناثرة.

الصفحة التالية