أثر حرب العاشر مِن رمضان على الأدب الإسرائيلي
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاءت هزيمة إسرائيل في حرب أكتوبر 1973م بمثابة زلزال هزَّ إسرائيل مِن الداخل هزة عنيفة، إذ كانت إسرائيل تعيش مِن بعد حرب يونيو 1967م نشوة النصر الكاسح الذي انتصرتْ فيه على ثلاث دول عربية مجتمعة: (مصر - سوريا - الأردن)، واحتلتْ فيه أراضٍ جديدة في سيناء والجولان والضفة الغربية، وفيها القدس الشرقية؛ أراضٍ تزيد مساحتها على ثلاثة أضعاف ما كانت تحتله إسرائيل مِن أرض فلسطين قبْل الحرب، خاصة وأن إسرائيل باتت تملك تفوقًا عسكريًّا كبيرًا على هذه الدول مِن بعد حرب 1967م.
وقد أكد العديد مِن المحللين العسكريين أن الدول العربية -خاصة مصر- تحتاج لما لا يقل عن عشر سنوات حتى تستطيع أن تواجه إسرائيل مِن جديدٍ إن كانت ما زالت عازمة على استعادة ما احتلته إسرائيل مِن أراضيها.
صدمة حرب أكتوبر 1973م:
فاجأت مصر وسوريا إسرائيل بالهجوم الشامل على قواتها على طول خطوط المواجهة في ظهر يوم السادس مِن أكتوبر 1973م، وتحقيق نصرٍ كبير مباغت، أظهر التفوق العربي بصورةٍ مذهلةٍ لم يتصورها أحدٌ، وتكبدت إسرائيل أكثر مِن 10 آلاف بيْن قتيلٍ وجريحٍ ومفقودٍ، وتم تدمير نحو 1000 دبابة إسرائيلية، و200 طائرة، وتعدت الخسائر ما قيمته 7 بلايين مِن الدولارات، وتيقنت إسرائيل بعد حربٍ شرسةٍ ضارية أن الجندي الإسرائيلي لم يعد قادرٌا على مواجهة المقاتِل المصري على أرض سيناء؛ وهو ما دفع (جولدا مائير) -رئيسة وزراء إسرائيل- في يوم الثامن مِن أكتوبر إلى طلب النجدة السريعة مِن حليفتها أمريكا، فسارعتْ أمريكا لإنقاذ إسرائيل بإنشاء أكبر جسر جوي في التاريخ؛ لتعويض إسرائيل ما فقدته مِن دباباتٍ ومعداتٍ، وتزويدها بأحدث ما في الترسانة العسكرية الأمريكية مٍن سلاحٍ.
مصر الصمود والتحدي:
خرجتْ مصر مِن هزيمة 1967م وقد فقدت 80 % مِن سلاح الطيران، وفقدت الآلاف مِن القتلى والجرحى والمفقودين، وتم تدمير سلاحها البري إما مباشرة مِن القوات الإسرائيلية المهاجمة أو خلال الانسحاب العشوائي للقوات البرية، وقامت القوات الإسرائيلية بالاستيلاء على ما تركته القوات المصرية مِن معدات، حيث عادت هذه القوات المصرية مهزومة إلى غرب قناة السويس بدون معداتها الثقيلة ومدفعياتها، وكان واضحًا أن مصر باتت لا تستطيع القيام بأي مواجهةٍ عسكريةٍ للقوات الإسرائيلية المنتصرة.
وخلال الفترة مِن يونيو 1967م وأكتوبر 1973م أظهرتْ مصر صورة رائعة مِن التحدي والصمود، والإصرار على استعادة أرضها مهما كانت التحديات والتضحيات؛ فتم إعادة بناء القوات الجوية مِن جديدٍ، وتم رفع كفاءة الطيارين المصريين لمواجهة تفوق سلاح الطيران الإسرائيلي المزود بأحدث الطائرات الأمريكية، وتم بناء قواعد صواريخ مضادة للطائرات متقدمة على طول الجبهة بحلول منتصف عام 1970م؛ مما أنهى قدرة الطيران الإسرائيلي على العربدة في المنطقة وضرب عمق مصر مِن الداخل، وحد مِن تفوق إسرائيل الجوي الذي كانت تتمتع وتتباهى به، وكانت حرب الاستنزاف التي أعادت الثقة المفقودة للجندي المصري في مواجهة الجندي الإسرائيلي، إذ أحدثت ضربات حرب الاستنزاف خسائر كبيرة سببتْ قلقًا كبيرًا لدى الإسرائيليين، وقد ظهر ذلك جليًّا في فرحة الإسرائيليين بقبول عبد الناصر لمبادرة (روجرز) وزير خارجية أمريكا لوقف الأعمال القتالية مِن خلال هدنة مؤقتة بدأت مِن ليلة 7/ 8 أغسطس 1970م، بما يعني وقف حرب الاستنزاف.
قسوة ومرارة هزيمة أكتوبر على إسرائيل:
فوجئت إسرائيل بالجيش المصري يعبر قناة السويس في يوم السادس مِن أكتوبر، ويحاصِر ويستولى على المواقع والنقط الحصينة في خط بارليف المنيع على طول خط المواجهة، بطول 160 كم مِن بور فؤاد شمالًا إلى رأس مسلة على خليج السويس جنوبًا، ويقيم الكباري على القناة لنقل المعدات الثقيلة والدبابات والعربات المجنزرة، ويتصدى لهجمات الطائرات الإسرائيلية على رؤوس الكباري ومواقع الصواريخ المصرية في يومي 7 و8 أكتوبر، ويكبدها خسائر فادحة، ويحرر مدينة القنطرة شرق، ويرفع الأعلام المصرية عليها بعد تطهيرها مِن اليهود، ثم يتقدم إلى عمق سيناء بعد أن ثبت أقدامه تمامًا على الضفة الشرقية للقناة؛ مما دفع رئيسة الحكومة الإسرائيلية إلى الاستغاثة بحليفتها أمريكا لإنقاذها مِن دمارٍ محقق.
وخلال يومي 8 و9 أكتوبر تصدت القوات المصرية للهجوم الإسرائيلي المضاد الأول فأحبطته، ودمرت المئات مِن دبابات ومدرعات العدو، وخلال الفترة مِن 15 إلى 17 أكتوبر تصدت القوات المصرية مِن جديدٍ للهجوم الإسرائيلي المضاد الثاني فأحبطته، فكان هذا إيذانًا بزوال أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يهزم، ووضع حد النهاية للتفوق الإسرائيلي في المنطقة، والقضاء المبرم على الغطرسة الإسرائيلية التي ظهرت بعد النصر الذي حققته في حرب يونيو 1967م.
أثر الهزيمة الثقيلة على إسرائيل:
كانت هزيمة أكتوبر هي (الزلزال)، كما أطلق عليها (زئيف شيف) كبير المحللين العسكريين الإسرائيليين في كتاباته عنها؛ كانت زلزالًا أحدث آثاره العسكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية داخل إسرائيل، فمنيت إسرائيل عسكريًّا بهزيمةٍ غير عادية أطاحت بأحلامها وتطلعاتها، وقضت على أوهام القوة التي لا تقهر، وتسببت في توجيه اللوم الشديد رسميًّا للقيادات العسكرية الإسرائيلية وعزل الكثيرين منهم.