أثر حرب العاشر مِن رمضان على الأدب الإسرائيلي
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وكانت النهاية لحياة (جولدا مائير) -رئيسة الحكومة الإسرائيلية وقتها-؛ السياسية التي قدَّمت استقالتها، واعتزلت العمل السياسي نهائيًّا بعدها، وقبلت إسرائيل مبدأ التفاوض حول السلام في المنطقة، وهي التي كانت ترفضه مِن قبْل، وتتعنت في قبوله، وسادت حالة مِن الحزن والألم الشديد بيْن الإسرائيليين؛ إذ لم يخلو بيتٌ مِن بيوتهم مِن وجود قتيل أو جريح أو مفقود مِن بيْن أفراده مِن جراء هذه الحرب، وانعكس ذلك على الحالة الثقافية والأدبية داخل إسرائيل، مِن خلال الكتب والدراسات والمقالات، والقصائد والقصص والمسرحيات التي جسدت حالة الصدمة والرعب والفزع التي أصابت الإسرائيليين، وأعادت إلى الكثيرين ذكريات الاضطهاد والمذابح التي تعرض لها اليهود في أوروبا -التي لا دخل للعرب والمسلمين فيها- والتي سولت لهم الدعاوي الصهيونية أن الهجرة إلى دولة إسرائيل في فلسطين -على حساب أصحابها الفلسطينيين- هي النهاية لهذه المعاناة، ليجدوا الموت والدمار يتهددهم ويطيح بآمالهم التي عقدوها على اغتصاب فلسطين مِن أهلها، وقد امتدت آثار هذه الهزيمة في الأدب الإسرائيلي لسنواتٍ طويلة خاصة في فترة السبعينيات مِن القرن العشرين.
آثار الهزيمة على الشعر الإسرائيلي:
عبَّرت الكثير مِن القصائد الشعرية عن حالة الهلع والفزع التي أصابت الإسرائيليين مِن جراء الهزيمة القاسية غير المتوقعة.
ومِن أمثلة ذلك:
قصيدة "نهاية ليلة" للشاعر (إسحق بولاق) التي كتبها في عام 1974م، والمراد بالليلة: ليلة يوم الغفران، ويوم الغفران، هو يوم عيد الغفران اليهودي الذي وافق يوم السبت السادس مِن أكتوبر عام 1973م، فيصف الشاعر في أولها حالة الرعب التي داهمت الإسرائيليين، وهم في احتفالات العيد في المعابد يصلون ويستمعون إلى الأبواق المقدسة، فيقول:
وبينما صوت البوق يتردد
إيذانًا بانتهاء النهار
تتدافع فجأة مِن داخل
صفحات كتاب الصلاة
نداءات هامسة...
وتتساقط مِن على الأكتاف
عباءات الصلاة...
إلى هناك...
إلى قلب المعمعة
منخز في مواجهة منخز
وقطعة مِن الصلب
في مواجهة صلب!
ويصف الشاعر ضراوة المعركة طالبًا مِن الرب نهاية الطريق، طريق الألم، فيقول:
الأرض تتلوى
والرمال والهضاب تميل
رب العالم.. عجل بنهاية الطريق
خفافيش هائجة تتخبط في الهواء
تحلق بلا صوت..
الزمن الذي انكسر..
سكون جد مغاير (يعني سكون الموت)
لما سار قبله مِن سكون
كوكب وكوكب مِن القار والزفت
نورهما خطير وشحيح (يشير إلى حالة الخطر والرعب)
وعلى مبعدة مِن هنا
تعمل فوهات البنادق
تنفث مِن أفواهها الرعب
ويسترجع الشاعر آلام المذابح والاضطهاد الذي تعرض لها اليهود عبْر تاريخهم، فيقول:
وثانية: (أحقًّا يعيد التاريخ نفسه؟!)
عينا عجل خاويتان في بلاهة
ضحية عالم
وكل شيء أصم
وثانية تجتر الأرض
وتأخذ سمة القسوة!
ثم يتصور الشاعر صورة (راحيل) زوجة يعقوب -عليه السلام-، المفضلة عنده مِن بيْن زوجاته، وأم يوسف -عليه السلام-؛ يتصورها راكعة تدعو لأحفادها، وتعلن أن تاريخ الاضطهاد الأوروبي والنازي لليهود لن يعود، ليرسِّب الشاعر في ذهن المستمع اليهودي أن الحرب العربية هي حلقة جديدة مِن سلسلة الاضطهاد والمعاداة للسامية، متجاهلًا بالطبع أطماع التوسع الإسرائيلي، والتعنت والرفض الدائم لمبادرات السلام العربية والدولية، فيقول:
وراحيل أمنا راكعة
في صلاتها دونما بكاء
تلقي لريح الليل بشذرات السبات
وجه تكللـه الشقوق
يطل مِن مطفأة سجائر
يتصاعد منه الدخان
وفجأة تنتصب قامتها
وتلقي ثانية بالكلمات
لبؤة تحمي جراءها
كلا... لن يعيد التاريخ نفسه
ثم يعود مِن جديدٍ لوصف الحرب والرعب:
كفت النجوم عن إرسال ضوئها
خفافيش هائجة تحلق دونما صوت
الزمن الذي انكسر...
سكون جد مغاير
لما ساد قبله مِن سكون
تحجرت الكلمات في الحلق
التهاب النفط... مشهد يصر على الأزهار...
القلب في المعارك...
المعارك التي في القلب
- قصيدة كيف تقطعت الدروب؟ (للشاعر "يحئيل حازاق" التي كتبها عام 1975م)، يقول فيها معبِّرا عن الذعر الذي يعيشه الإسرائيليون:
كيف تقطعت الدروب؟
بتنا ذئابًا خلف شجيرات
متربة اللون في وديان مهجورة
نمضي منتحبين
مِن نهاية البيداء إلى نهايتها
أرض، أرض إسرائيل
بوجه معتل بالصفرة
مليء بشقوق الأنهار الجافة
تطل علينا مِن أعلى ككتاب صلاة ساكن
وكيما لا نصل فإننا لا نصل
كيف تقطعت السبل وأصبحت
جداول جافة.
- قصيدة: "كم كنت صبية!" للشاعرة (أوراه ليف رون) التي كتبتها عام 1975م، تتصور فيها إسرائيل صبية تتحدث عما أصابها مِن جراء الحرب:
انظروا كم هي آثار نهش الأسنان
في... بدني
كم كنت صبية
فجوات تغطي نصف جسدي
والمياه تعبر خلالي والأيام
وجميع السنابل وجبال السوسن
ثم ترمز لإسرائيل بعد الهزيمة المريرة بالأسد الجريح:
أسد مصاب يقف مثخنًا بالجراح
وقد لحق به الهزال
ومن شريان مقطوع
تتدفق نكبة.
- قصيدة "كلمة الرجل البسيط" للشاعر: (يهو شع طن بي) التي كتبها في عام 1974م، يبيِّن فيها حالة الفزع وفقدان الطمأنينة والألم الذي يعتصر الجميع:
كل شيء يتواثب.. يتراقص
كالنار المندلعة ولا تخبو
كالملائكة التي تترنم في
الهزيع الأخير مِن الليل
كالعصافير التي تتواثب
في عصبية لحظة مغيب الضياء
تلك العصبية التي تصيب
كل الأحياء عند الإعتام
فليس بيْن الأحياء مَن يشعر
بالسكينة عند الإعتام
كل ذي حياة ينظر في المرآة
المتواثبة
والكل يتفزر ويتواثب...
كالكائنات الصغيرة الدقيقة
التي تظهر خلف عدسة المجهر
كالنار التي اندلعت في البيت المقدس
فلم يعد مِن الطمأنينة شيء...
الجبال ترقص كالآلهة
كل الأشياء تهرول في جنون
سنوات مجنونة كاسرة
أجيال مجنونة كاسرة
الناس يخرجون مِن جميع المحطات
الكلمات تخرج صراخًا:
اهتفوا... اهتفوا...
الجميع يتواثبون
كل شيء يرتجف
كل شيء يزيد
كالأرض تدور حول نفسها
كالحبلى تتلوى وهي تلد
كخط الأنابيب الذي يلقي بالماء على النار
التي اندلعت في البيت المقدس
النار المندلعة... ولا تخبو...
وما عاد هناك مِن الطمأنينة شيء
الناس يخرجون مِن جميع المحطات
وما مِن محطة نهائية
والشبان يحتمون مِن النار
بأكوام الملح... ويلعقون... (ولعق الملح رمز عندهم للمعاناة)