شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات "موشى دايان" (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعند وقوع حرب أكتوبر 1973م كان (موشى دايان) يشغل منصب وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية التي ترأسها: (جولدا مائير)، أي أنه كان المسؤول العسكري الأول عن الجيش الإسرائيلي في هذه الحرب، وقد كتب عنها في مذكراته، ولا شك أن كتابته عن هذه الحرب لها أهميتها، إذ هي كتابة مِن الطرف الآخر، وممَن عايشوها واكتوى بنارها يومًا بيوم، فجديرة أن تقرأ ويطلع عليها.

مَن موشى دايان؟

موشى دايان -أو موشيه دايان- هو موشى دايان صمويل دايان، وُلد في 20 مايو 1915م، في مستوطنة (دجانيا) الإسرائيلية في فلسطين، مِن أبوين يهوديين هاجرا مِن أوكرانيا، واستقرا في فلسطين.

تلقى تعليمه الابتدائي ثم التحق بمدرسة الزراعة، عمل مع القوات البريطانية في التصدي للثورة الشعبية الفلسطينية الكبرى (مِن عام 1936م إلى عام 1939م)، وتدرب على العمليات الانتقامية الخاطفة والهجمات الليلية، حكمتْ عليه سلطة الانتداب البريطاني في فلسطين بالسجن عام 1939م؛ بسبب نشاطه الإرهابي في تنظيم (الهاجاناة)، وهو تنظيم صهيوني غير رسمي مارس أعمالًا إرهابية واسعة ضد الفلسطينيين لإجبارهم على ترك أراضيهم وديارهم لإحلال اليهود مكانهم، لكن أطلق سراحه عام 1941م للمشاركة في القتال في صفوف البريطانيين أثناء الحرب العالمية الثانية، والتي أصيب خلالها بجروح، وفقئت عينه اليسرى فيها.

- شارك في حرب 1948م بيْن اليهود والعرب.

- عين عام 1950م -بعد قيام دولة إسرائيل- قائدًا للقطاع الجنوبي لإسرائيل، ثم ترأس المخابرات العسكرية.

- وفي عام 1952م تولى رئاسة الأركان العامة، ثم رئاسة أركان الجيش مِن عام 1953م إلى عام 1958م.

- شارك في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م.

- دخل الكنيست الإسرائيلي عام 1959، وتولى وزارة الزراعة لمدة خمس سنوات.

- تولى وزارة الدفاع مِن عام 1966 م إلى عام 1974 م، وأدى دورًا كبيرًا في حرب يونيو1967م، حتى صار رمزًا للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ولكن أسطورته انهارت بعد هزيمة أكتوبر 1973م.

- عين وزيرًا للخارجية عام 1977م، وكان له دور كبير في المفاوضات مع مصر، والتي انتهتْ بتوقيع معاهدة (كامب دافيد) في عام 1979م.

- استقال مِن منصبه عام 1979م، ومات في تل أبيب متأثرًا بسرطان القولون في 16 أكتوبر 1981م.

صباح يوم السادس مِن أكتوبر:

يذكر دايان أنه قد وصلته معلومات تحليلية مِن المخابرات ليلًا قرب صباح يوم الغفران (يوم كيبور)، وهو مِن أهم الأعياد الدينية عند اليهود، الذي وافق السبت 6 أكتوبر 1973م، عن إعداد مصر وسوريا لهجوم قبْل غروب شمس نفس اليوم، فأبلغها لـ(جولدا مائير)، واجتمع بقادة الجيش في مكتبه صباحًا؛ ونظرًا لأن مثل هذه المعلومات عن هجوم متوقع سبق أن تلقاها مِن قبْل ولم يعقبها هجوم، ولكن في ضوء تقارير المخابرات عن عملية لإجلاء الأسر السوفيتية مِن سوريا تعين التصرف على أساس افتراض شن الحرب، فتم بحث تعبئة الاحتياطي لدعم الجبهات، والإعداد لضربةٍ جويةٍ وقائيةٍ رادعة للقواعد الجوية في عمق سوريا قبْل الساعة الثانية عشر ظهرًا، وإجلاء النساء والأطفال مِن المستوطنات في هضبة الجولان، وإصدار تحذير لمصر وسوريا عن طريق أمريكا؛ لضمان وقوف أمريكا إلى جانب إسرائيل حال نشوب حرب ليستْ إسرائيل السبب فيها.

وذكر دايان أنه عارض فكرة الضربة الجوية الوقائية خشية أن تفسد الضربة العون المأمول مِن أمريكا حال وقوع الحرب، وبعد مناقشة مع رئيسة الوزراء تقرر تعبئة الاحتياطي، وإجلاء النساء والأطفال مِن الجولان، وصرف النظر عن الضربة الجوية، مع إنذار مصر وسوريا.

ثم يذكر دايان أنه توجَّه إلى حجرة العمليات في الحادية عشر صباحًا، وكان كل شيء هادئًا، وكان المتوقع حال وقوع الهجوم أن يحاول المصريون عبور القناة مِن مناطق معينة في زوارق مطاطية، وتلحق بهم قوات مِن الصاعقة محمولة بالهليكوبتر لإقام رؤوس جسور، ومحاولة الاستيلاء على -أو تخريب- حقول البترول في أبي روديس، والاستيلاء على شرم الشيخ للتحكم في مدخل خليج العقبة.

وكان وقوع الهجوم ليلًا -كما توقعته المعلومات المخابراتية- يحول بيْن الطائرات الإسرائيلية والتصدي للعبور، بما يعني قيام القوات البرية بالعمل الحاسم ليلًا ضد العبور، لحين عمل القوات الجوية في الصباح التالي.

بدأت أعمال التعبئة، ولكنها كانت تحتاج مِن 24-48 ساعة لاستكمالها، وكان توقع أن تكون الظروف الجوية لهذه الليلة قاسية يعطي الأمل بتأخر الهجوم بما يعطي الفرصة لتدعيم المواقع.

كان الشعور بالثقة سائدًا، ولكن كان وجه القلق مناقضة الأمر لطبيعة الجيش الإسرائيلي في عدم بدئه بخوض الحرب كما اعتاد، وبالتالي عدم التعبئة لها قبْل البدء فيها، وفي اجتماع عاجل لمجلس الوزراء في تل أبيب وافقت الحكومة على ما اتخذ مِن قرارات، ومنها طلب توضيحات مِن مصر وسوريا عن الوضع عن طريق أمريكا، وفي الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرًا تم استدعاء دايان إلى غرفة العمليات؛ إذ تعرضت القوات الإسرائيلية للهجوم، وبدأت الحرب.

الهجوم كان مفاجأة:

يذكر دايان أن الهجوم جاء مفاجأة، وإن لم يكن أمرًا غير متوقع، كان تجدد الحرب متوقعًا عاجلًا أو آجلًا، ولكنه جاء يوم كيبور (عيد الغفران)، والقوات وإن كانت مستعدة، لكنها غير معبأة وغير موزعة كما يجب.

كانت هناك خطة موضوعة مسبقًا للتعامل مع أي هجوم مصري وسوري شامل، يترتب عليه عبور القوات المصرية للقناة، واحتلال سوريا لمرتفعات الجولان، وكان قد تم إعداد هذه الخطة وعرضها على دايان ورئيسة الوزراء، وقدرت تكلفتها بـ17 مليون دولار، وأرسلت تفاصيلها إلى قيادتي الجبهتين الشمالية (مع سوريا) والجنوبية (مع مصر)، وكانت الخطة موضوعة على أساس أن يصل الإنذار المبكر قبْل 24 ساعة على الأقل حتى تتم تعبئة قوات الاحتياط وإرسالها إلى الجبهات وقت اندلاع الحرب.

وعلَّق دايان على الأمر بقوله: "ويجب عليَّ أن أضيف هنا أن قوات العدو -يعني مصر وسوريا- شنت هجومها بكفاءةٍ أكبر مما وضعناه لها في حسابنا عند وضع هذه الخطط".

الصفحة التالية