شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات "موشى دايان" (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

ويقول: "إن كلًّا مِن المخابرات الأمريكية ومخابراتنا توصلتا إلى أن مصر وسوريا لا تعدان للحرب، وفسرتا التحركات العسكرية الواسعة على الجبهة المصرية على أنها مناورات، وليستْ استعدادًا لغزو، ومع ذلك فلم نكن مرتاحين، وخاصة فيما يتعلق بالجبهة السورية".

وبيَّن سبب ذلك في موضع آخر فقال: "ولو أننا أخذنا بهجوم على الجبهة المصرية واضطررنا للتراجع إلى الخط الثاني، فإن الأمر لم يكن ليشكِّل لنا كارثة، فالأمر لا يعدو كونه انسحابًا إلى خط آخر في صحراء واسعة، أما بالنسبة للجبهة الشمالية فالوضع مختلف، فإن أي انسحاب هناك قد يؤدي إلى إلحاق ضرر بليغ بمستعمراتنا -يعني المستوطنات- في الجولان، وقد ينقل الجبهة -يريد جبهة القتال- إلى مناطقنا السكنية في الجليل الأعلى والجولة ووادي الأردن، ولم يكن فيها -على العكس مِن قناة السويس في الجبهة الجنوبية- أية عوائق طوبوغرافية أو موانع، وهذا بالإضافة إلى شبكة الصواريخ المضادة للطائرات التي بلغتْ حدًّا مِن الكثافة والتعقيد إلى درجة أنها كانت تغطي كل الجانب الإسرائيلي في مرتفعات الجولان".

وقال أيضًا: "ولكن لم نكن نستطيع تعبئة قواتنا لفترةٍ طويلةٍ، وإلا أضر بالدولة، وذلك في حد ذاته يمثِّل واحدًا مِن أوجه مشكلتنا الرئيسية، فنحن دولة صغيرة يقل تعدادها عن الثلاثة ملايين مِن اليهود تحيط بهم عشرات الملايين مِن العرب".

ويذكر دايان أنه في الاجتماع الأسبوعي لرئاسة الأركان يوم الجمعة 5 أكتوبر صدر القرار برفع حالة الطوارئ القصوى في الجيش والطيران؛ إذ كانت هناك معلومات عن تعزيزات وإمدادات جديدة على الجبهتين المصرية والسورية، ومغادرة لعائلات المستشارين الروس مِن سوريا، بينما أكد رئيس المخابرات (إيلي زاعيرا) أن الهجوم ليس واردًا، ووافقه في ذلك رئيس الأركان (دافيد اليعازر)، وكان التقييم الأمريكي أن لا مصر ولا سوريا تفكران في هجوم قريب، وكان رأي دايان أن كلًّا مِن مصر وسوريا في وضع يمكنهما مِن القيام بهجوم خلال ساعات.

وعلَّق دايان مِن جديدٍ بقوله: "ومع أننا لم نكن غافلين عن احتمال نشوب الحرب، فإن حرب كيبور اشتعلت في اليوم الوحيد الذي لم نكن نتوقعها فيه، وجاءت في يوم الغفران، وهو اليوم الوحيد الذي يقضيه كل اليهود في أنحاء العالم في الصوم والعبادة، وفي إسرائيل كان العمل متوقفًا والشوارع خالية، لا سيارة فيها ولا مشاة".

أحداث اليوم الأول للقتال:

يذكر دايان أن اليوم الأول للقتال كان شاقـًّا، فقدت فيه إسرائيل الكثير مِن الرجال والأراضي والمواقع، ولكن تقرير رئيس الأركان في العاشرة مساءً كان يتسم بالتفاؤل، إذ كان مِن المتوقع أن تفوق مصر وسوريا لن يستمر، فبمجرد وصول قوات الاحتياط إلى الجبهات ستستعيد إسرائيل ميزان القوى وعنصر المبادرة، ورغم كثرة المصريين الذين عبروا إلى الضفة الشرقية مِن عدة نقاط، ورغم الاستيلاء على أحد المواقع الحصينة، ورغم الأعداد الكبيرة مِن الأسلحة المضادة للدروع التي نقلوها، والصواريخ السوفيتية التي يستخدمها الأفراد، والتي تجعل الموقف ليس مرضيًا، خاصة وأن التعزيزات القوية لن تصل هناك إلا بعد يومين، أي في صباح يوم 8 أكتوبر، فإن الوضع وفقًا لرأي رئيس الأركان قابل للاحتواء.

وطبقًا لهذه الظروف تم تغيير الخطة لمساعدة القيادة الجنوبية بضرب الجبهة المصرية بالطائرات بدلًا مِن ضرب الجبهة السورية، قال دايان: "وأحسستُ بالقلق يملأ قلبي؛ إذ لم أكن أشارك رئيس الأركان وقائد القيادة الجنوبية تفاؤلهما، لقد حقق المصريون مكاسب هائلة، وتعرضنا لضربةٍ موجعةٍ، فقد عبَّر المصريون القناة، وأقاموا جسورًا نقلوا عليها المدرعات والمشاة، ولم نكن قد فشلنا فقط في منعهم، بل إننا لم نسبب لهم إلا خسائر طفيفة في الأفراد والمعدات"، وقال: "ولم تعد مواقعنا الحصينة سوى فخاخًا للموجدين بها إن لم نستطع رد المصريين إلى الضفة الغربية".

وتم عقد اجتماع للوزارة في العاشرة مِن مساء أول يوم للاطلاع على مجريات الأمور، وقدَّم رئيس الأركان تقريره، يقول دايان: "لكني طلبتُ الحديث لكي أطلع الوزراء على الموقف بكل قسوته، وتقييمي لما قدمه رئيس الأركان. وقلتُ: إننا نواجه ثلاثة عوامل بالغة الصعوبة.

أولها: حجم قوات العدو المجهزة بأسلحة تراكمت عبْر السنوات الست الماضية، فالجيشان المصري والسوري ليسا الجيشين اللذين عرفناهم عام 1967م، بل هي قوات جيدة تم تجهيزها، ويملؤها التصميم والإصرار.

وثانيهما: هو سلاح الصواريخ بعد تدعيمه بالصواريخ سام 6، وإن لم تستطع قواتنا الجوية قهر هذا السلاح فلن يمكنها مد يد العون لدباباتنا، وتدمير مدرعات العدو.

أما العامل الثالث: فهو حاجتنا إلى المحافظة على الجبهات مع وجود قواتٍ قليلةٍ فيها إلى أن يتم استدعاء قوات الاحتياطي ووصولها إلى الجبهات. وقلتُ: إن المعركة الحرجة هي في منطقة القناة، فسوف يواجه طيراننا في صباح اليوم التالي تحديات خطيرة تتمثل في سلاح الطيران المصري وسلاح الصواريخ، وسوف نحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ مِن الحظ في هذا اليوم، أما في اليومين الثالث والرابع (8 و9 أكتوبر) فستكون مدرعاتنا قد وصلتْ بالكامل إلى هذه الجبهة، وسوف تكون احتمالات النجاح جيدة".

وقال دايان: "وقلتُ لهم: إن العزاء الوحيد هو أن المعركة في الجبهة الجنوبية تجري في صحراء سيناء بعيدًا عن أرض إسرائيل التاريخية ومدنها المأهولة بالسكان".

وقال: "أما في الجبهة الشمالية فقد كانت توقعاتي أننا سنوقف الهجوم السوري".

ويذكر دايان أنه كان قلقًا ومرهقًا، ويشعر أن زملاءه في الوزارة لم يعجبهم ما ذكره عن نجاح المصريين، ويريدون أن يرد المصريين عبْر القناة فورًا؛ إذ كانت تسيطر عليهم روح التفاؤل التي أبداها رئيس الأركان، وفي منتصف الليل تم إبلاغ ممثل إسرائيل في الولايات المتحدة بأنه في غضون أيام سوف يتم طرد المصريين، وأن الموقف برغم النجاح المرحلي للعدو يدعو للرضا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية