حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات "موشى دايان" (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يذكر دايان أنه توجه في نفس الليلة بعد اجتماع مجلس الوزراء إلى القيادة العامة الخاصة بالطوارئ، فكان هم قادة الجبهات الدفاع عن خطوطهم ومنع اختراقها إلى أن تصلهم الإمدادات، ثم توجه إلى غرفة عمليات الطيران، حيث أشار بالحاجة إلى منع الطيران الإسرائيلي لتقدم القوات المصرية قبْل إدخالها لقوات مدرعة كبيرة إلى سيناء، إلى جانب إسكات بطاريات الصواريخ وضرب المعابر.
الوضع على الجبهة السورية:
يذكر دايان أن السوريين هاجموا بقواتٍ ضخمةٍ على طول الجبهة، مركزين على نقطتين في شمال وجنوب القنيطرة، وقد نجح اللواء السابع في الشمال -والذي كان مجهزًا جيدًا- أن يصد الهجوم السوري، أما لواء باراك في الجنوب فرغم صموده في القتال فقد تم اختراق خطوطه ليلًا في منطقة الحسنية جنوب القنطرة بثمانية أميال، وبدأ تقدم السوريين نحو الطرق التي تربط مرتفعات الجولان ببحر الجليل، حتى بلغتْ منتصف الطريق إلى نهر الأردن، وكانت قد صدرت الأوامر بإجلاء كل السكان والمدنيين في المستوطنات في يوم الغفران.
ولخطورة الوضع توجه دايان قبْل السادسة صباحًا يوم السابع مِن أكتوبر إلى الجبهة السورية، حيث إن عمق الجولان لا يبعد عن تل أبيب بأكثر مِن 15 ميلًا، حيث قرر ضرب الدبابات السورية بالطائرات دون أن تحاول -حسب المعتاد- إسكات قواعد الصواريخ أولًا، حيث إن هذا هو التصرف الوحيد لإيقاف السوريين إلى أن تصل إمدادات أخرى مِن المدرعات الإسرائيلية بعد ظهر اليوم، وبالفعل ظلت الطائرات الإسرائيلية تهاجم المدرعات السورية بلا توقف، مما أحدث تأثيرًا كبيرًا على الموقف، ودارت معركة عنيفة لإيـقاف تقدم السوريين إلى المستوطنات في الجليل الشمالي قُتل فيها قائد لواء باراك المدرع الإسرائيلي ونائبه، وعند حلول المساء تقهقر السوريون وزال خطرهم.
وفي اليوم الثالث (8 أكتوبر) ضعفت مقاومة اللواء الإسرائيلي السابع في القطاع الشمالي بعد هجماتٍ قوية للسوريين طوال ثلاثة أيام أصيبتْ فيها معظم دبابات اللواء وقاربت فيها ذخيرة الدبابات البقية على النفاد، ولكن الدبابات السورية بدأت في الانسحاب.
في 9 أكتوبر تغيرت الحالة بعد القتال العنيف والخسائر الفادحة خاصة بيْن الضباط، وبدا أن الهجوم السوري قد انكسر، فتم سد الاختراق السوري، وتم دفع السوريين خلف الحدود إلى داخل سوريا، حيث واجه الإسرائيليون خطوطًا دفاعية قوية، وهجمات مكثفة مِن الطيران السوري، فلم يستطيعوا اختراق الدفاعات السورية، وفي نهاية الأسبوع الأول مِن الحرب على الجبهة الشمالية كان السوريون في موقف الدفاع، وارتدت الحالة إلى أراضيهم شرق الخطوط التي اخترقوها منذ ستة أيام.
الوضع على الجبهة المصرية:
يذكر دايان أن خط بارليف -وهو خط الاستحكام الأول- به 16 مِن الاستحكامات القوية على قناة السويس مباشرة، وهي عبارة عن نقاطٍ أماميةٍ صغيرةٍ، لكل نقطة مِن 20 - 30 جندي، وتبعد عن الأخرى نحو 5 أميال، وقد تعرضت كلها لقصفٍ شديدٍ ومركَّز ثم هجوم شامل، فكانت كل نقطة تحارب مستقلة وكأنها جزيرة منعزلة، وقد سقطت كل النقاط، عدا موقع يُدعى بودابست، وبعض المواقع اقتحمه المصريون وبعضها تم إخلاؤه؛ لم يحدث هذا في الحال، فرغم عبور المصريين للقناة فلم تسقط أي نقطة خلال الأربع والعشرين ساعة الأولى، حتى التي نجح المصريون في التسلل إليها عند بدء المعركة، كما لم تنجح أي نقطة في إيقاف تقدم المصريين في قطاعها، وقد نجحتْ بعض النقاط في إغراق زوارق للمصريين أثناء العبور، ووجه بعضها المدفعية والطيران للضرب الفعال لبعض الجسور وتجمعات القوات المصرية، وتسبب ذلك في خسائر، لكن لم تؤثر في حركة المشاة والمدرعات المصرية، وعندما كان يخفق المصريون في احتلال نقطة فإنهم كانوا يمرون عليها ويواصلون تقدمهم، عدا نقطت بودابست، لظروفها الطوبوغرافية الخاصة ردت المصريين رغم هجومهم العنيف، وأجبرتهم على العودة إلى بورسعيد.
أسباب سقوط نقاط خط بارليف:
يرى دايان أن سقوط هذه النقاط كان نتيجة لعزلها عن باقي القوات الإسرائيلية، وأنها لم تكن مستعدة لمواجهة مثل هذا الهجوم الضخم المكثف، ورغم قتالها بشجاعةٍ، لكن قتل الكثير مِن ضباطها، ورفضت الأوامر بالاستسلام أو الجلاء، فحوصرت، حتى انقطعت اتصالاتها بكل القوات فلم يعد لها القدرة على التمسك بالنقاط، وكان أقوى ما في هذه الاستحكامات هو الجزء الذي يقع تحت الأرض، ويضم حجرة العمليات ومضاجع الجنود، أما مراكز إطلاق النار وخنادق المواصلات، فكان مِن الضروري أن تكون على سطح الأرض، فسقطت هذه المواقع المكشوفة عندما تعرضت للقصف، ثم نيران الحصار، وقتل رجالها أو أجبروا على المغادرة، وكانت آخر نقطة تسقط ويؤخذ رجالها أسرى هي نقطة (ماسريك) التي تحكم المدخل الجنوبي لقناة السويس.
ويذكر دايان أن الدبابات التي كانت معدة للربط بيْن النقاط الحصينة وتقديم العون لها كانت على بعد 6 أميال للخلف، وعندما حاولت التقدم للأمام وجدت المصريين قد سبقوها إلى هناك، وتعرضت لنيرانٍ عنيفة، وتم تدمير معظمها وشل فاعليتها.
ويرى دايان أن رجال التحصينات لم يتم اختيارهم جيدًا، فكان معظمهم مِن قدامى الاحتياط، مرَّ عليهم عامان دون تدريباتٍ، وحالتهم النفسية لم تكن مهيأة للحرب، كما أن الأسلحة وأجهزة الإشارة كانت في مستوى أقل مِن المقبول نتيجة لحالة السلم، ولم تلقَ إمدادات وتعزيزات تمكِّنها مِن الحفاظ على أصعب خطوط الجيش المتقدمة وهو خط القناة.
وكلام دايان يدينه ويدين كل قياداته العسكرية، أن يكون هذا حال قواته على أهم جبهة قتالية عنده، ويبيِّن كلامه بوضوحٍ عنصر المباغتة والمفاجأة التي وضعته فيه القيادة المصرية.