شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (14)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعند الحديث عن دَورنا في مقاومة "حكم الجاهلية" في مجتمعاتنا فهو يتضمن محاور عدة، مِن أهمها:

- تعليم الناس وجوب التحاكم إلى مَن يحكم بينهم بشرع الله، بحكم الكتاب والسُّنة مِن علمائهم، وأن ذلك واجب عليهم شرعًا، ولا يسعهم أن يؤخِّروا هذا الفرض إلى حين التطبيق للشريعة؛ خصوصًا أن التدرج عند أقوامٍ كثيرين ليس مبنيًّا على الضوابط الشرعية للتدرج -مِن اعتبار القدرة والعجز، واعتبار المصلحة والمفسدة، واعتبار استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، والتحقيق العلمي لمسائل النزاع-؛ وإنما التدرج عندهم مَرَدّه إلى الأهواء والتسويفات؛ لذلك نقول: لا يسع أحدًا أن يؤخِّر هذا الفرض إلى حين تطبيق الشريعة.

والعلماء المجتهدون وإن لم يكن لهم القوة المادية لإلزام الناس بالأحكام، أو لتطبيق كل أحكام الشريعة، أو قد يترتب مفاسد مِن تنفيذ بعض الأحكام ربما تفوق مصلحة إقامتها -كالحدود وإقامة القصاص في القتل-؛ إلا أن قوة إيمان المسلم تدفعه لقبول حكم الشرع ولو لم يكن هناك ما يلزمه بالقوة المادية، ومع زيادة الإيمان يزداد -بإذن الله- مَن يطبِّقون هذا ويلتزمون به مِن أنفسهم، وعليهم جميعًا أن يطبقوا كل ما يقدرون عليه مِن الأحكام في ضوء قاعدة المصلحة والمفسدة المرعية شرعًا، وما عجزوا عنه فلا يُكَلَّفونَ به ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (البقرة:286) .

ومِن أهم النقُول في ذلك قول شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "والأصل أن هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه؛ فمتى أمكن إقامتها مِن أميرٍ لم يُحتج إلى اثنين، ومتى لم يقم إلا بعددٍ ومِن غير سلطان أقيمت إذا لم يكن في إقامتها فساد يزيد على إضاعتها، فإنها مِن باب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ فإن كان في ذلك مِن فساد وُلَاة الأمر أو الرعية ما يزيد على إضاعتها لم يُدفع فسادٌ بأفسد منه. والله أعلم" (مجموع الفتاوى، 34/ 176) .

وعلى كل حال، فالمسلم حين يدعو إلى التحاكم للشرع دون غيره فقد خرج مِن حكم الرضا بحكم الطاغوت؛ فإذا أُوقِف مضطرًا أمام بعض المحاكم التي تحكم بقوانين مُخَالِفة للشرع؛ فعليه أن يدعوهم ويأمرهم أن يحكموا له بحقه الشرعي فقط الذي عَلِمَه مِن أهل العلم، وكذلك مَن ترافع أمام هذه المحاكم لِدَفْع الظلم عن مسلم أو رَفْعِه فعليه أن يطلب مثل ذلك، ومن يَطلب هذا الحق لنفسه أو لغيره مِن المسلمين فلا جناح عليه مهما كان المطلوب منه؛ فإنه لم يَأمر إلا بمعروف.

ويحتاج الأمر أيضًا: إلى التنبيه إلى أن كثيرًا مِن أحكام القوانين لا تخالِف الشريعة في كثير مِن الأحوال الشخصية، في الزواج والطلاق والميراث، وكذلك في كثيرٍ مِن القوانين في العقود التي مدارها على وجوب الوفاء بالعقود، عدا مسألة الربا فإنها مِن أخطر ما يُلزم به في القوانين الوضعية؛ لكن أكثر القوانين المدنية تتفق مع بعض المذاهب الإسلامية -أو كلها- في كثيرٍ مِن الأمور، ومثل هذا إذا عَلِمه المتحاكِم والقاضي والمُدَافِع المحامي لم يكن في ذلك تحاكم إلى الطاغوت طالما طلب إقامة الحكم الشرعي الذي يوافق الشريعة دون غيره، ولو كان ضمن القوانين.

ومِن هذه المحاور: الحفاظ على مرجعية الشريعة في دساتير البلاد الإسلامية؛ فإنها وإن لم تطبَّق إلا إنها تحقق الجانب العقدي العظيم الأهمية في هذا الباب بقبول حكم الله، ورفض ما سواه، ورفض الجانب العقدي الفاسد مِن الديمقراطية الغربية التي تجعل التشريع والتحليل والتحريم حقًّا للناس، حسب أهوائهم وسخافات عقولهم.

ومِن هذه المحاور: توفير مَن يتمكن مِن الفصل بيْن الناس في خصوماتهم بحكم الكتاب والسُّنة، ويصلح بينهم في مجالس شرعية، مِن طلاب العلم وأهله، والقانون يسمح بذلك، ويجعله ملزمًا إذا تعاقد الخصمان على ذلك، وهذا يستلزم بناءً علميًّا متينًا في أبواب القضاء وأبواب الفقه المختلفة، ويستلزم عملًا مجتمعيًّا ودعويًّا واسع المدى، لتجنيب مجتمعاتنا "حكم الجاهلية"، وللدعوة السلفية -بحمد الله- تجربة فريدة في هذا الباب في أماكن مختلفة مِن البلاد؛ حتى صار المسلمون -بل وغير المسلمين- يقبلون التحاكم إلى أهل العلم وفق الشريعة، ومع التوثيق القانوني لذلك، ليحصل الخير الكثير بالإلزام والالتزام بأحكام شرع الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-.

ومِن سمات الجاهلية التي حَذَّرَ منها كتاب الله: "حَمِيَّة الجاهلية"، قال الله -تعالى-: ( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ) (الفتح:26) ، وهي الأنَفَة والاستكبار عن الحق، وكان مِن ذلك إباؤهم أن يُكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" في صلح الحديبية، وإباؤهم أن يكتب: "مُحَمَّد رَسُول اللهِ".

والعصبية الجاهلية مما حذر منه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في مواطن عديدة فقال: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني) ، وقال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِّ أَبِيهِ، وَلا تُكَنُّوا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

ولا شك بأن بناء المجتمع المسلم على أُخُوَّة الإسلام دون عَصَبَات العائلة أو القبيلة أو القوم مما يرسِّخ روح التفاهم والأُلْفَة بيْن أفراد المجتمع، ويحافظ على تَماسُكِه، ويُجَنِّبه الطائفية المُدَمِّرَة والاستقطاب الهَدَّام الذي يُشعِل الحروب والنزاعات ويُخَرِّب الدولة ويُفَرِّق الكلمة.

الصفحة التالية