تأملات في حجة الوداع (14)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ويتميز المجتمع المسلم بعقد الولاء على أوثق عرى الإيمان؛ الحب في الله، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( أوْثَقُ عُرَى الإِيمانِ الموَالاةَ فِي الله والمعاداة فِي الله والحبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) ، وهو يجعل المسلمين أُمَّةً واحدة في الأرض كلها، قال -تعالى-: ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (المؤمنون:52) ، ولا شك أن تأسيس المجتمع، على رابطة الإيمان والدين يجعل الروابط والوشائج الأخرى داخل المجتمع، مثل: اللغة والوطن الواحد، والقومية الواحدة، والقبلية إذا لم تكن معارضة لهذا الأصل، تصبح مُعَضِّدةً لبناء المجتمع ومُقَوِّية له لا هادمة، بتوفيق الله -عَزَّ وَجَلَّ- وحمده؛ ولهذا يتميز الفهم الإسلامي السليم بالحفاظ على بناء المجتمع، وتعميق روح الأخوة، وعدم مُصَادَمة ما فَطَر الله العباد عليه مِن ارتباطهم بأُسَرِهم وعائلاتهم وقبائلهم، وأوطانهم وأقوامهم، بل يكون ذلك مِن الروافد المُقَوِّية لرابطة الإسلام.
أما حين يصبح بديلًا عن الإسلام وضده ومُقَدَّمًا عليه، فإن ذلك مِن العصبية الجاهلية التي مَن قَاتَل لتعزيزها فقد مات ميتة جاهلية، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ ) (رواه مسلم) .
ومِن أخطر مظاهر الجاهلية: ربا الجاهلية، الذي وَضَعه الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تحت قدميه وأبْطَلَه وبَدَأ بأُسْرَتِه وعائلته، وأبطل ربا العباس بن عبد المطلب.
وحذر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الربا أشد التحذير في أحاديث متواترة، مِن ذلك: ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ) (متفق عليه) .
وعن سمرة بن جندب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ، آكِلُ الرِّبَا ) (رواه البخاري) .
وعن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ" (رواه مسلم) ، وفي رواية لِمُسْلِمٍ أيضًا عن جَابِرٍ: "وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ"، وعن عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "لَعَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَنَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَكَسْبِ الْبَغِيِّ وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ" (رواه البخاري) ، وعن عبد الله بن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( الرِّبَا ثَلاثَةٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، أَيْسَرُهَا مِثْلُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ، وقال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( دِرْهَمُ رِبًا يَأكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ، أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وروى أحمد بإسنادٍ جيدٍ عن كعب الأحبار قال: "لَأَنْ أَزْنِيَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آكُلَ دِرْهَمَ رِبًا، يَعْلَمُ اللَّهُ أَنِّي أَكَلْتُهُ حِينَ أَكَلْتُهُ رِبًا" (رواه أحمد بسندٍ صحيحٍ) ، ولهذه الأحاديث طرق كثيرة.
وكل هذا موافق لكتاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ قال الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) (البقرة:278-279) .
وما الخراب الحاصل في العالم مِن الجهة الاقتصادية إلا بسبب قيام الاقتصاد العالمي على الربا، وإن سَمَّاه الناس بغير اسمه، وحاول البعض تمريره بفتاوى باطلة مخالفة للإجماع؛ فإنه سيظل سببًا للدمار والخراب، وازدياد الغَنِيِّ غِنَى والفقير فقرًا، حتى يُضرب المجتمع بالغِنَى المُطْغِي والفقر المُنْسِي.
نعوذ بالله مِن الفتن، ونسأل الله أن يجنبنا الجاهليةَ كُلَّها.