شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات موشى دايان (2-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقول دايان: "كانت هناك تقديرات خاطئة على كل المستويات بدءًا مِن قادة الاستحكامات -يعني التي على خط بارليف- إلى قادة الألوية إلى رئيس الأركان، بل حتى على مستوى الحكومة، فقد كان الجميع يعلقون الآمال على أن نستطيع إعادة المصريين إلى الضفة الغربية أو -على الأقل- أن نخترق صفوفهم ونتصل بالاستحكامات".

ويقول: "وقد حاولتْ بعض وحدات الدبابات إنقاذ نقاط الاستحكامات، ولكننا فقدنا الكثير مِن أطقم الدبابات في هذه المحاولات".

ويعلِّق على الوضع بقوله: "كان خط بارليف قد اكتسب شهرة ملحوظة؛ ولذا فإن اقتحامه اعتبر بمثابة نصر كبير للمصريين ردَّ لهم كبرياءهم".

ويقول: "في الساعات الأربع والعشرين الأولى مِن نشوب الحرب أصبحنا لا نملك سوى قوة ضئيلة مِن المدرعات على الجبهة المصرية، وما أن انهار خط الدفاع الأول حتى تدفق المصريون على سيناء بقواتٍ ضخمةٍ وبقوةٍ هائلةٍ مِن الأسلحة، وقاتل لواء دبابات الجنرال: (ألبرت ماندلر) ببسالةٍ؛ لإيقاف تقدم المصريين، ولم يكن هذا اللواء منتشرًا وفق خطة الطوارئ في موقعه عندما بدأت الحرب؛ ولذا فإنه ما إن تقدم نحو القتال حتى تعرض لنيران عنيفةٍ مِن الدبابات المصرية بالضفة الشرقية، ودارت معركة عنيفة ووحشية طوال بعد ظهر هذا اليوم، وازداد الموقف سوءًا أثناء الليل، وعند الفجر وصلت موجات جديدة مِن المدرعات والمشاة المصريين وكانت قواتنا قد تكبدت خسائر فادحة في الرجال والمدرعات خلال هذه المعركة المستمرة، ولم يبقَ سوى عدد قليل مِن دباباتنا قادر على الاستمرار في القتال، وقد نجحوا في وقف قوة اندفاع تقدم المصريين، ولكنهم فشلوا في إعادتهم مرة أخرى عبْر القناة".

يذكر دايان أنه توجَّه إلى القيادة المتقدمة في الجبهة الجنوبية (الجبهة المصرية)، وعاد إلى تل أبيب، حيث عرض على رئيسة الوزراء في اجتماع مجلس الوزراء إخلاء خط القناة والانسحاب إلى خطٍّ جديدٍ، وأعرب عن أنه ليس في المقدور إعادة المصريين إلى الضفة الغربية، واقترح طلب دبابات وطائرات مِن أمريكا ومِن الدول الأوروبية.

يقول دايان: "وبدا واضحًا مِن أسئلتهم واستجواباتهم بعد هذه الملاحظات القاسية أن الضعف ليس ناتجًا عن الموقف العسكري الحالي، وإنما مِن شخصيتي أنا، وأنني فقدت الثقة، وأن تقديري للموقف ليس صحيحًا وإنني متشائم للغاية".

ويضيف: "وافق رئيس الأركان على وجهة نظري بالنسبة للموقف، وأبدى استعداده لإقامة خط دفاع ثان، ولكنه يرغب في القيام بهجوم مضادٍ في هذا المساء يستخدم فيه تشكيلات (شارون) و(برن)".

ويقول دايان: "وكانت مؤشرات الحقيقة تقول إنه إذا استمرت خسائرنا في القتال على هذا المعدل، فإننا سنجد أنفسنا في منتصف الحملة -يعني الحرب- بدون قوات فعالة".

ويقول دايان: "وسافر رئيس الأركان إلى سيناء وطلبني تليفونيًّا مِن هناك ليخبرني أنهم قرروا القيام بهجوم مضاد صباح الاثنين 8 أكتوبر، وعاد في منتصف الليل حيث توجهنا إلى حجرة العمليات لنسمع التفاصيل في اجتماع مجموعة العمليات"، وكان المصريون قد نقلوا الجيش الثاني إلى القطاع الشمالي، والجيش الثالث إلى القطاع الجنوبي.

أول صدام للمدرعات:

يذكر دايان أن الإمدادات المطلوبة وصلت، وكانت الخطة تقضي بأن يقوم تشكيل (برن) بالهجوم على الجيش الثاني المصري في القطاع الشمالي شمال القنطرة، ثم يتجه جنوبًا في اتجاه البحيرات المرة، بينما يقف تشكيلا (شارون) و(ألبرت) في الخلف في وضع استعدادٍ للدعم، وبعد نجاح (برن) يقوم تشكيل (شارون) بالهجوم على الجيش الثالث في القطاع الجنوبي، بينما يقوم (برن) و(ألبرت) باحتواء الأعداء، مع إمكانية عبور قوات إسرائيلية للقناة حال تحطيم رؤوس الجسور المصرية، على أن تكون المعركة على بعد ميل ونصف ميل مِن خط مياه القناة لتفادي الصواريخ المضادة للدبابات المنتشرة على شاطئ القناة.

وقد بدأت قوات (برن) تحركها وفق الخطة مِن الشمال إلى الجنوب لكن بعيدًا عن مرمى صواريخ المشاة، وكان كل شيء يسير على ما يرام، وتوجهت قوة غربًا لإنقاذ أحد الاستحكامات التي تتعرض لضغطٍ شديدٍ، وما إن تحولت حتى تعرضت لنيران صواريخ المشاة المتخندقين وصواريخ الـ(أر بي جيه) المضادة للدبابات، فتغير الوضع.

وتحرك تشكيل شارون ليصل إلى أهدافه قبْل حلول الظلام، قبْل أن يتقرر مصير هجوم (برن)، فتعرض للقتال وتسبب ذلك في فشل الهجوم المضاد، وانتهى اليوم بتقهقر القوات الإسرائيلية إلى الوراء لمسافاتٍ أكثر مما كانت عليه في بداية اليوم، وبعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء، توجه دايان إلى الجبهة الجنوبية، واجتمع مع القادة هناك.

يقول دايان: "وبدأ الاجتماع وأنا أشعر فعلًا بما تقوله التوراة عن (الغضب حتى الموت) فبعد كل ما حدث خلال هذه الأيام الثلاثة -يعني 6 و7 و8 أكتوبر- وبعد فشلنا في إخلاء المواقع وإنقاذ الرجال، وبعد أن دفعنا بالإمدادات إلى الجبهة الجنوبية، بعد كل هذا الذي فعلناه ضاع كل شيء هباءً، ولم نحقق شيئًا، ووجدت (شارون) و(برن) وقد استبد بهما الإرهاق الشديد بعد أن انتهت الأيام الماضية -والتي كان مفروضًا أن ننتقل فيها مِن الدفاع إلى الهجوم- إلى مجرد اليأس والخسائر والتراجع".

وقد أشار (شارون) في الاجتماع بأن الحل هو عبور القناة، وتحطيم قواعد الصواريخ المصرية، والوصول إلى مؤخرة الجيشين: الثاني والثالث، على أن يكون العبور على جسور وقوارب خاصة بنا، فكانت خطة اليوم التالي -يوم 9 أكتوبر- أن يعد شارون الترتيبات لعبور القناة، بينما تأخذ باقي التشكيلات الأخرى وضع الدفاع، وبعد العودة مِن الجبهة الجنوبية كان اجتماع دايان مع رئيس الأركان حيث طالبه بتعيين قائد جديد للجبهة المصرية ورشح لذلك (شارون) أو (حاييم بارليف)، وطالب بتوجيه أعداد أكبر مِن الرجال للجبهة الجنوبية وإعادة تنظيم القوات قبْل أي محاولة لدفع المصريين للانسحاب.

الوضع على الجبهة السورية:

الصفحة التالية