حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات موشى دايان (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
يذكر دايان أن توجهاته في الجبهة الشمالية كان أنه لا انسحاب مهما كان الثمن، مع تقديم الدعم الجوي اللازم لمحو القوات السورية، وأنه حال انتهاء القتال على الجبهة السورية، فيمكن تحول كل القوات للجبهة المصرية.
قال دايان: "أطلق السوريون عدة صواريخ (فروج) على القاعدة الجوية في (رامات دافيد)، وعلى مدينة (كريات شمونا) في الشمال، ولكن تأثيرها كان محدودًا للغاية، وأطلق المصريون صواريخ (كليت) مِن الطائرات (توبوليف 16) على تل أبيب وعلى عدة أهداف عسكرية في سيناء مِن بينها شرم الشيخ. ولم يطلق المصريون صواريخ أرض/ أرض (سكاد) إلا يوم 22 أكتوبر على مناطق الجسور في القناة، وكان ذلك قبْل وقف إطلاق النار الأول".
ويضيف: "وكانت الأسلحة المضادة للدبابات (الآر بي جيه) وصواريخ (ساجر) مؤثرة جدًّا، وفي نهاية المعركة كبدتنا هذه الأسلحة خسائر فادحة، وخاصة في الجبهة الجنوبية".
يوم 9 أكتوبر:
في صباح 9 أكتوبر قابل دايان "جولدا مائير"، حيث عرض عليها الموقف، وطلب منها الموافقة على قصف مواقع عسكرية في دمشق جوًّا ردًّا على إطلاق سوريا للصواريخ على المستوطنات الإسرائيلية، فوافقت جولدا، كما وافقت على تعيين (بارليف) قائدًا للجبهة الجنوبية، وأثار دايان معها موضوع طلب السلاح مِن أمريكا، وعرض عليها السفر إلى أمريكا لمباحثاتٍ سرية مع الرئيس الأمريكي لشرح الموقف، حتى تتفهم أمريكا الوضع، وتعطي إسرائيل تأييدها ودعمها، ولم يكن هناك مَن يستطيع أن يفعل ذلك إلا جولدا.
يوم 10 أكتوبر:
مع اليوم الخامس للحرب بدأت القوات الإسرائيلية في التمركز في مواقع قوية، وتعلمت كيف تتجنب الصواريخ المضادة للدبابات، وكان دايان يقوم على الأقل بزيارة إحدى الجبهتين يوميًّا، والاجتماع مع قادة التشكيلات الفرعية مباشرة، ورؤية الواقع في ميدان القتال بنفسه، وعدم الاكتفاء بالحكم على ما يدور مِن خلال تقارير رئيس الأركان وقادة الجبهة.
يقول دايان: "أما حياتي مِن الداخل فقد سيطرت عليها بشكلٍ كاملٍ حرب يوم الغفران، وكانت حياتي مزيجًا مِن القلق الشديد والحزن، والمجهود الضخم الذي كنت أبذله لتركيز أفكاري، وكانت هي الحرب الرابعة التي أخوضها"، يعني أنه خاض حروب 48 و56 و67 و73.
ويضيف: "أما حرب يوم كيبور -حرب 6 أكتوبر- فقد اختلفت تمامًا، فلم تكن حربًا صعبة فحسب، بل كان جو الحرب نفسه صعبًا، فقد كان علينا أن نواجه حشودًا كبيرة مِن القوات مسلحة بكمياتٍ ضخمةٍ مِن الأسلحة المختلفة والقوية، وعندما كنا ننجح في تحطيم مئات الدبابات لم نكن نفرح، أما عندما كان خط استحكاماتنا يسقط، أو عندما نفقد 30 دبابة في عمليةٍ واحدةٍ، فإن الأمة كلها كانت تصاب بالذهول والحزن، وقتل الكثير مِن خيرة ضباط الطيارين وقادة المدرعات وضباط المظلات، وكان كل يوم يحمل أنباءً سيئة عن أزواج أو أبناء أو أقارب أو جيران قتلوا في المعركة".
ويذكر دايان أن معارك الدبابات على الجبهة الجنوبية (المصرية) كانت في صحراء طولها 95 ميلًا، وفي أول يومين كانت الدبابات الإسرائيلية في حالةٍ هجومية وهي تسرع ناحية القناة، بينما كان المشاة المصريون المزودون بصواريخ مضادة للدبابات متمركزين في مواقع دفاعية؛ ولذلك كانت كل خسائر الدبابات الإسرائيلية مِن الجنوب بسبب حسن انتشار المواقع الدفاعية المصرية، ووجودهم تحت مظلة الحماية المضادة للطائرات.
أما على الجبهة الشمالية (السورية)، فكانت الجبهة ضيقة وصخرية وجبلية مما يسهل مراقبتها والسيطرة عليها، وكان هدف الهجوم السوري احتلال الجولان كلها، فكانت الدبابات السورية تهاجم وتتحرك بينما كانت الدبابات الإسرائيلية متمركزة في مواقع دفاعية، فكان الوضع ملائمًا للدبابات الإسرائيلية لضرب الدبابات السورية، ولم تكن الصواريخ السورية (ساجر) ذات تأثير فعال في سير المعركة، وباستثناء جبل الشيخ، دفع الإسرائيليون السوريين إلى الوراء.
دور أمريكا في إنقاذ إسرائيل:
يقول دايان: "وكنت أكره مجرد التفكير فيما كان يمكن أن يحدث لو أن الولايات المتحدة أوقفت مساعدتها لنا، أو ماذا كنا نفعل لو أنها أدارت لنا ظهرها في هذه الأيام؟!".
ويقول: "كنا نحتاج إلى طائراتٍ ودبابات، وأسلحة مضادة للدبابات، وصواريخ هوك المضادة للطائرات، وهليكوبتر، ومدافع ذاتية الحركة. وظللنا نرسل البرقيات حول احتياجاتنا السريعة للفانتوم، وأخيرًا تلقينا ردًّا إيجابيًّا يوم الثلاثاء 9 أكتوبر يفيد أننا سنتلقى طائرتي فانتوم مِن الحصة المخصصة لنا، وكان هذا الموقف الأمريكي نتيجة للمعلومات التي وصلتْ إليهم مِن أننا بدأنا الحرب، ولضغط الدول العربية المصدرة للبترول لعدم تزويد إسرائيل بالأسلحة، وعلمنا أننا سنحصل على السلاح في حالةٍ واحدةٍ، إذا ساء موقفنا للغاية".
ويضيف: "ويوم الأربعاء -يعني يوم 10 أكتوبر- علمنا أن الرئيس الأمريكي قد وافق على أن يمدنا بأحدث المعدات الإلكترونية وبطائراتٍ إضافية، وأنه سيتم تعويض كل خسائرنا في الحرب، وقيل لنا بصفة خاصة إنه لابد مِن إزالة عدة عوائق قبْل أن يتم التوصل إلى هذا القرار، وكانت المشكلة الآن هي كيف ستصل إلينا هذه الأسلحة".
ويقول: "وفعلًا بدأت الولايات المتحدة في النقل بجسرٍ جوي استمر مِن 14 أكتوبر و14 نوفمبر لمدة شهر".
ويضيف: "وكان هذا النقص في إمدادات السلاح مثار إزعاج لنا".
ويذكر دايان أن إسرائيل لم تجد دولة واحدة تحاول مساعدة إسرائيل غير أمريكا حيث رفضت كثير مِن الدول الأوروبية حتى مجرد السماح للطائرات التي تحمل السلاح لإسرائيل بالهبوط في مطاراتها للتزود بالوقود، بل أوقفت بريطانيا صفقة الدبابات التي كانت متعاقدة عليها مع إسرائيل.
في زيارته للجبهة الجنوبية يوم 10 أكتوبر بحث دايان مع قيادة الجزء الجنوبي مِن سيناء شأن منع تقدم المصريين على الساحل الشرقي لخليج السويس، بإقامة خط دفاعي على أول موقع بعد رأس سدر يقع شمال أبو رديس عند تلامس سلسلة جبال وسط سيناء والشاطئ، بحيث يجبر القوات المتقدمة على التوقف بزرع الألغام، وحفر الخنادق للأسلحة المضادة للدبابات، وإنشاء تحصيناتٍ قوية للمشاة.