حرب العاشر مِن رمضان في مذكرات موشى دايان (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
كما بحث إمكانية العبور إلى الضفة الغربية للقناة واحتلال جزء مِن الأرض غرب القناة يمكن به المساومة عند صدور قرارٍ مِن مجلس الأمن بوقف إطلاق النار.
وفي المساء اقترح دايان على رئيسة الوزراء القيام بهجوم على الجبهة السورية يوم 11 أكتوبر صباحًا للتقدم نحو دمشق ليس بغرض احتلالها، ولكن لإشعار السوريين بالخطر، مع تحطيم المطارات وبطاريات الصواريخ لتصبح السماء خالية أمام الطيران الإسرائيلي، حيث كان الجيش السوري في وضع سيئ، وناقش معها الحاجة لعدة أيام أخرى لتغيير الموقف على الجبهات، على أن يتم تحقيق نتائج سريعة قبْل تصاعد الضغط الدولي لوقف إطلاق النار.
يقول دايان: "أما الأردن فقد انتهت الآراء إلى أنها بعد أن رأت ما حدث لسوريا فلن تدخل الحرب".
ويقول أيضًا: "وكنت أشعر بأنه لا يجب صدور قرار بوقف إطلاق النار الآن، فالحرب لا يمكن أن تقف عند هذه الخطوط العسكرية".
11 - 13 أكتوبر:
بدأت القوات الإسرائيلية هجومها على الجبهة السورية صباح 11 أكتوبر، واستطاعت التقدم في يومي 12 و13 ثم تحسين مواقعها في المنطقة التي احتلتها على مسافة 10 أميال بعد خطوط 1967م للدفاع ضد أي هجومٍ مضادٍّ، وبنجاح الهجوم المضاد على الجبهة السورية في 13 أكتوبر انتقل التركيز إلى الجبهة الجنوبية.
الوضع على الجبهة المصرية:
يقول دايان: "وبعد مناقشات طويلة قررنا عبور القناة والتمركز على الضفة الغربية منها، والوقوف على الطريق إلى القاهرة، وكنا نتوقع أن يشن المصريون علينا هجومًا مكثفًا في الضفة الشرقية؛ ولذا قررنا أنه مِن الحكمة أن ننتظر عدة أيام للاشتباك معهم هنا أولًا ثم عبور القناة، وهجم المصريون بالفعل يومي 13 و14 -يعني طور المصريون هجومهم- وفقدوا مائتي دبابة".
وفي 14 أكتوبر بدأ الاستعداد للعبور، وتحددت الساعة 7 مساء اليوم التالي للتنفيذ عند منطقة الدفرسوار شمال البحيرات المرة، حيث تعبر تشكيلات شارون لتفتح ممرًا وتحتل الطريق الرئيسي، مع احتواء تشكيلين آخرين للقوات المصرية على الضفة الشرقية، وقيام لواء مظلات مدعم بالدبابات باحتلال رأس جسر في الضفة الغربية قبْل الصباح، وعبور القناة بزوارق مطاطية على أن تتبعها الدبابات، ليتم تطهير المنطقة وحماية رؤوس الجسور على الجانبين، ثم تعبر باقي القوات وتتقدم جنوبًا في اتجاه خليج السويس، وتسبق العملية قصف جوي وبري.
يقول دايان: "وفي 15 أكتوبر طرت إلى الجنوب لأكون مع الوحدات ساعة بدء العملية في السابعة مساء".
وعند منتصف الليل وصلت الأنباء أن شارون قد احتل الجزء المتاخم للقناة والمعد للعبور، وإن ظل الطريق إليه مغلقًا، وكان القرار الاستمرار في العبور. وفي الصباح كانت قوات المظليين في الضفة الغربية، وكانت هناك عدة قوارب في الماء تحمل بعض الدبابات للضفة الغربية.
ودار القتال في ثلاث معارك: معركة غرب القناة لفتح الطرق وتأمين رأس الجسر هناك، ومعركة عند خط المياه على الضفة الشرقية وهي أكثرها عنفًا؛ لأنها كانت عند نقطة العبور، ومعركة للالتفاف حول الجيش الثاني في الشمال وللضغط على الجيش الثالث في الجنوب، ومنع أي إمدادات ناحية منطقة الجسور. وفي الغرب كان القتال في اتجاه المزرعة الصينية لتوسيع الممر إلى رأس الجسر والتقاء القوات، وكان القتال قتال محترفين يتميز بكثافة النيران، ونظرًا لتمركز المصريين في مواقع دفاعية ممتازة كانوا يطلقون موجات قوية مِن القذائف المضادة للدروع كلما حاولت الاقتراب منهم، وبدأت أعداد الدبابات المصابة تتزايد، مع العجز عن طرد المصريين، في الوقت الذي دمرت فيه بطاريتي صواريخ مصرية على الضفة الغربية.
وتقرر مهاجمة المزرعة الصينية مساء 16 أكتوبر فكانت معركة مِن أصعب المعارك الوحشية تكبد فيها لواء المظلات الإسرائيلي خسائر فادحة، وقتل قائدان مِن قادة المجموعات وجرح ثالث، وتم سحب اللواء في الصباح، وأصيب شارون بشظية دانة بعد أن قاتل في هذا اليوم هو وتشكيله بشجاعة، لكن تكبد خسائر رهيبة، وقد احتل رجاله رأس الجسر المصري في الضفة الشرقية خلال معركة مدرعات وحشية، وتم خلال يوم 17 أكتوبر نقل دبابات على قوارب في انتظار نقل الباقي عندما يقام الجسر، وكان الموقع يتعرض لقصف مركز مِن المصريين.
وقد زار دايان الضفة الغربية لمطالعة الموقف عن قرب، وعند عودته بعد ظهر اليوم كان الجسر معدًّا والعوامات متصلة ببعضها بيْن الضفتين.
يقول دايان: "وحرصتُ على زيارة المزرعة الصينية فوجدت مشهدًا لا يمكن أن أنساه، بل لم أره في حياتي من قبل، ولا حتى في أفلام السينما، فها هيا آثار المذبحة التي حدثتْ وما زال الدخان يتصاعد مِن بقاياها كدليل حي على المعركة الرهيبة التي دارت رحاها في هذا المكان".
ويعلل دايان خسائره في المزرعة الصينية بأنهم دخلوا المعركة بسرعة وبدون معلومات عن العدو.
يقول دايان: "وفي الأيام التالية للعبور -يريد العبور للضفة الغربية- جرت معارك قاسية على كلتا الضفتين، ولكن في كل ساعة تمر كنا نزيد مِن قواتنا في الضفة الغربية".
ويضيف: "واستطاع رأس جسرنا على الضفة الشرقية أن يقطع الاتصال بيْن قوات الجيشين الثاني والثالث، وفيما يشبه الدائرة على الضفة الغربية انتشرت القوات المصرية مِن القنطرة الغربية شمالًا حتى خليج السويس جنوبًا".
في 19 أكتوبر تقرر ضرورة احتلال موقع جبل الشيخ في الجولان قبْل إقرار وقف إطلاق النار، وفي نفس اليوم لم يستطع دايان الوصول إلى الضفة الغربية لشدة نيران المدفعية الثقيلة وغلق السيارات المحترقة للطريق، ولكنه زار الضفة الغربية للقناة في اليوم التالي 20 أكتوبر، وكذلك في يوم 21 أكتوبر، وقدَّم في مساء 21 أكتوبر تقريره عن تطورات الموقف لرئيسة الوزراء.
وخلال الليل بدأت عملية احتلال جبل (هرمون) والتي انتهت قبْل ظهر يوم 22 أكتوبر، وفي يوم 23 أكتوبر احتلت إحدى الوحدات جبل عتاقة، وكان استمرار القتال رغم صدور قرار لوقف إطلاق النار، وباحتلال (الأدبية) شاركت القوات البحرية الإسرائيلية في محاصرة مدينة السويس، وبالتالي منع الإمدادات عن الجيش الثالث.