شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (2) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

(خطر الركون إلى متاع الدنيا - أهمية استشعار المسؤولية)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التذكير بفضل القصة، حيث الوقوف على الدروس والفوائد الكثيرة مِن هذه القصة العظيمة، التي مِن أجلها نزل القرآن الكريم.

- التنبيه على أهميتها وأثرها على قلوب الصالحين: "كان الإمام أحمد إذا قرأ الآيات: ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ... ) (التوبة:118) ، بكى أشد مما يبكي في غيرها!".

- تذكير موجز لما سبق في الموعظة السابقة، ثم الوقوف على الفوائد مِن خلال مواضع حديث كعب -رضي الله عنه-.

1- خطر فتنة الدنيا والركون إلى متاعها:

- ما هو متاع الحياة الدنيا؟ ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (آل عمران:14) .

- كاد السابقون أن يهلكوا بسبب متاع الدنيا: قال كعب -رضى الله عنه-: " كَانَ مِنْ خَبَرِي: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلاَ أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ، فِي تِلْكَ الغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ، حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ ... " ثم بيَّن السبب فقال: "وَغَزَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ... ". أَصْعَرُ: أي أميل.

- انظر أثر فتنة المال وطلب الراحة على الصالحين (شهدوا العقبة وبدرًا) فكيف بمَن دونهم؟ ! قال الله -تعالى-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:2-3) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

- واعلم -رحمك الله- أن الأموال والأولاد والأزواج وسائر المتاع (نعمة أو نقمة): عن بريدة -رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَقْبَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-، عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ فَأَخَذَهُمَا، فَصَعِدَ بِهِمَا الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: ( صَدَقَ اللَّهُ: ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) (التغابن:15) ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ )، ثُمَّ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ. (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ) (رواه مسلم) .

2- أهمية استشعار المسؤولية:

- المقصود مِن ذلك: أن بعض الناس يهرب مِن العمل للدين وتحمل المسؤولية، وإن اختلفت الأعذار والتأويلات، فمنهم مَن يؤثر البُعد وعدم المشاركة مِن باب: "لا أحب المشاكل"، ومنهم مَن يفتعل الأعذار "لو استطعنا لخرجنا معكم"، ومنهم مِن باب: "بيوتنا عورة"، ومنهم مِن باب: "ائذن لي ولا تفتني"، ومنهم مِن يقول: "العاملون كثير، وغيابي لن يؤثر".

- وهذا الأخير الذي وقع فيه الثلاثة -رضي الله عنهم- (1 في 30000): قال كعب -رضي الله عنه-: " وَالمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَثِيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-، قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ " (فماذا لو قال الناس جميعًا ذلك؟! أو قال نصفهم ذلك؟!).

مواقف مشرفة في استشعار المسؤولية:

- وعلى الجانب الآخر كانت هناك صور رائعة في استشعار المسؤولية تغلبت على العوائق والفتن والصعاب.

أولًا: موقف أبي ذر الغفاري:

الصفحة التالية