دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (2) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
قال ابن إسحاق -رحمه الله: "ثم مضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، يقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله -تعالى- بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره! ثم خرج يتبع أثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماشيًا، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظر ناظر مِن المسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كن أبا ذر. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: رحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" (1) (السيرة لابن هشام، 4/ 178) .
ثانيًا: موقف أبي خيثمة:
قال ابن إسحاق: "ثم إن أبا خيثمة رجع بعد أن سار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيامًا إلى أهله في يوم حارّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه، وما صنعتا له، فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضح والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنَصَف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهيِّئا لي زادًا، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عميرُ بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فترافقا، حتى إذا دنوا مِن تبوك، قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنبًا، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ففعل حتى إذا دنا مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو نازل بتبوك، قال الناس: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كن أبا خيثمة"، فقالوا: يا رسول الله، هو -والله- أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أوْلى لك يا أبا خيثمة" (السيرة النبوية لابن هشام) ، (البداية والنهاية، 5/ 8) .
ثالثًا: موقف لداعية معاصر:
"الشيخ عبد الرحمن السميط -رحمه الله- أسلم على يديه ما يقرب مِن 11 مليون في أفريقيا مِن خلال مؤسسة "العون المباشر"، وأقام أكثر مِن 5000 مسجد، ووزع خمسة ملايين مصحف!".
فهلا استشعرنا مسؤولية نصرة الدين والعمل لأجله؟!
ومَن عليه مسؤولية مواجهة كل هذا الانحراف الذي تعيشه مجتمعات المسلمين؟! إنها مسؤوليتي أنا وأنت.
فماذا نقدِّم نحن لنصرة دين الله؟!
فاللهم انصر دينك وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومضى الزمان وجاء عصر عثمان -رضي الله عنه-، ثم حدثتْ أمور، وسير أبو ذر إلى الربذة، فلما حضره الموت أوصى امراته وغلامه: "إذا مت فغسلاني وكفناني ثم احملاني فضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: هذا أبو ذر، صاحب رسول الله"، فلما مات فعلوا به كذلك، فطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره، فإذا ابن مسعود في رهطٍ مِن الكوفة، فقال: "ما هذا؟ فقيل: جنازة أبي ذر"، فاستهل ابن مسعود يبكي، فقال: "صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده" فنزل فوليه بنفسه حتى دفنه. (سيرة ابن هشام) .