هل حقًّا يزعجهم التستر خلف النقاب أم يزعجهم النقاب نفسه؟!
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
أولًا: تمهيد:
بيْن الحين والآخر يخرج علينا مَن ينادي بمنع النقاب، ويسوق مسوغاتٍ مِن نوعية أنه ليس مِن الدين أو أنه مستورد مِن الخليج، أو أنه يعبِّر عن رؤيةٍ متشددةٍ، أو أنه يُشعِر غير المنتقِبة بالحرج وكأنها هي المقصِّرة! إلى آخر هذه القائمة الطويلة مِن الحجج.
وكما تلاحظ، فإن هذه الحجج أو معظمها يمكن أن يُقال على الحجاب ذاته، وبالتالي فقد يستعمل بعضهم ذات المنطق العجيب في ذم الحجاب ذاته، بل بلغت الجرأة على العدوان على الشريعة الإسلامية في بلد الأزهر أن يدعو كاتب صحفي إلى مليونية لمنع الحجاب، وهي مليونية ولدت مبتورة لم يخرج فيها حتى الداعي إليها!
وربما يكون هذا الكاتب -أو غيره- ممَن يتعجلون المواجهة مع الحجاب قد تجاوزوا كل الخطوط الحمراء؛ لأن الأزهر بكل هيئاته يدرس الإجماع على أن كل ما عدا وجه المرأة وكفيها واجب الستر بلا نزاع، وبالتالي فمحاولة الاقتراب منه هي تحدٍّ سافرٍ للأزهر ولعامة الشعب الذي لا يقبل أن يحظر أو يمنع ما أوجبه الله، بل إن مَن ابتلاها الله بالتقصير في هذه الطاعة لا يمكن لها أن تفرح أو تدعو أو تطلب أن يمنع غيرها مِن الالتزام بشرع الله -عز وجل-.
وأما النقاب فما زال يشعر المهاجمون له أن أمامهم فسحة في مهاجمته بناءً على أن الشائع بيْن علماء الأزهر أنهم يقولون: "النقاب فضيلة لا فريضة" .
وربما وجدوا أن بعض العلماء الآن يقولون بالإباحة أو حتى الكراهية، وهي أقوال تُفهم على غير وجهها؛ وإلا فالمذاهب الأربعة -وغيرهم- منهم مَن يقول: إن ستر الوجه والكفين واجب. ومنهم مَن يقول: بل هو مستحب. وكثير مِن القائلين بالاستحباب يرون الوجوب حالة خشية الفتنة.
وهذا الستر يكون بإدناء الجلباب ولو بالإسدال على الوجه أو بالنقاب -وهو المشدود على الوجه-، ونحن في عرفنا الدارج نسمي الجميع نقابًا، ولكن إن نقلنا عن الأئمة؛ فيجب أن نعرف اصطلاحهم جيدًا، فمَن نصَّ على كراهة النقاب مِن المالكية هم أنفسهم مَن يقول بأن ستر الوجه أصله الإباحة، ثم يرفعون درجته بحسب الأحوال حتى يرفعونه إلى درجة الوجوب كما جاء في "مختصر خليل" كراهة النقاب للمرأة في الصلاة، وعلَّق عليه العلامة "الدردير" بأنه مكروه فيها وفي خارجها، وجاء أيضًا فيه في باب الحج: "حرم بالإحرام على المرأة: لبس قفاز، وستر وجه؛ إلا لسترٍ بلا غرز وربط".
وقال الدردير في الشرح الكبير في ثنايا شرح هذا الكلام: "( إلَّا لِسَتْرٍ): عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ فَلَا يَحْرُمُ، بَلْ يَجِبُ إنْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا ".
وقال الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير: "حَاصِلُهُ أَنَّهُ مَتَى أَرَادَتْ السَّتْرَ عَنْ أَعْيُنِ الرِّجَالِ جَازَ لَهَا ذَلِكَ مُطْلَقًا عَلِمَتْ، أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا أَمْ لَا، نَعَمْ إذَا عَلِمَتْ، أَوْ ظَنَّتْ الْفِتْنَةَ بِهَا كَانَ سَتْرُهَا وَاجِبًا ".
وقال العلامة الدردير في الشرح الكبير أيضًا في معرض بيان عورة المرأة: "وعورة الحرة مع رجل أجنبي منها أي ليس بمحرم لها، جميع البدن غير الوجه والكفين، وأما هما فليسا بعورة، وإن وجب عليها سترهما لخوف فتنة ".
فأوجب عليها ستر الوجه والكفين في حالة خوف الفتنة، ولكن بغض النظر عن هذا كله؛ فإن هذه الأقوال لا تعطي لأحدٍ حق المناداة بإصدار تشريع لمنع النقاب؛ لأن "التبرج" المجمع على تحريمه يحظى بحمايةٍ قانونيةٍ وإعلامية كبيرة تحت شعار الحرية الشخصية، ولا يملك العلماء والدعاة إزاءه إلا النصيحة؛ هذا مِن الناحية النظرية، وإلا فمِن الناحية العملية فهناك تقصير واضح جدًّا -على الأقل- في إنكار منكرات التبرج، ونصيحة مَن تقع فيها -على الأقل- بطريقةٍ تتناسب معها كمًّا وكيفًا؛ لا سيما وأن بلاد المسلمين قد عرفت في السنوات الأخيرة نمطًا مِن الأزياء يندى لها جبين كل غيور!
وبالتالي: إذا كانت الحرية الشخصية سوف تجعل الجميع يقف في التصدي للأمور المحرمة عند حد النصيحة نظريًّا، والصمت شبه التام عمليًّا؛ فلا يتصور أن يتحرك البعض لإصدار قانون لمنع "النقاب" بدعوى أنه ليس فريضة، حتى لو نزلوا به عنوة عن رتبة الفضيلة!
وكذلك فإن الرافضين للنقاب الساعين لإصدار قانونٍ يمنعه يحيدون عن هذا إلى ادعاءات أنهم إنما يسعون لمنعه؛ لأن له اضرارًا تحتم التدخل التشريعي لحماية المجتمع مِن هذه الأضرار، وبالتالي يجوز حينئذٍ أن تقيد تلك الحرية الشخصية مِن أجل حماية المجتمع ككل.
وفي الواقع: أنا لا أدري كيف يمكن أن يواجِه نائب برلماني الشعبَ الذي مِن المفترض أنه يمثِّله حينما يتلاعب بأدوات نيابته عنه بهذه الصورة؟! أعني هؤلاء النواب الذين يصرِّحون برفضهم للنقاب مِن حيث كونه نقابًا، مما يعني أنهم بصدد إبداء رأي أو موقف في قضية لا تتعلق بالتشريعات والقوانين، وغاية ما يسمح فيها هو المناقشات الفكرية مهما بلغت درجة رفضهم للنقاب، ثم إذا بهم يتحايلون ويقدِّمون مشروع قانون لمنع النقاب، وكأن مشكلتهم ليست مع النقاب ولا مع المنتقبات، وإنما مع المتسترين والمتسترات خلف النقاب مِن أصحاب الجرائم الجنائية أو الإرهابية.
ومع هذا، فنحن مضطرون أن نتجارى معهم في هذا الباب ونناقشهم ونحاورهم؛ لنبيِّن لهم ثم لباقي زملائهم النواب الذين سيطلب منهم التصويت على هذه المقترحات إذا تقدم أصحابها بها فعليًّا، وهو خطاب لكل عاقل حريص على مصلحة البلاد واستقرارها، وعلى تجفيف منابع الإرهاب فيها؛ لأن دعاة التكفير والتفجير إنما يجندون الشباب ويجعلونهم نارًا تحرق أوطانهم استثمارًا لحالة الغضب والضيق التي تنتج عن مثل هذه التصرفات، فإذا ما دعاهم أصحاب الدعوات الإصلاحية بأن يتواصوا بالحق ويتواصوا معه بالصبر، كما أمر الله -تعالى-؛ ردَّ عليهم نفرٌ كثيرٌ مِن هؤلاء الشباب: إلى متى الصبر؟ وماذا فعلتم بصبركم؟!
بل ربما قالوا: بل أنتم جزء مِن هذه المفاسد؛ إذ تكتفون في إنكارها بالنصيحة والبيان، ويبقى الحليم حيرانًا بيْن هؤلاء وأولئك، وإلى الله المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثانيًا: مناقشة الأضرار التي يدَّعى وجودها في النقاب: