شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل حقًّا يزعجهم التستر خلف النقاب أم يزعجهم النقاب نفسه؟!

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

بيَّنا في التمهيد: أن مسألة إصدار قانون يمنع النقاب لا يمكن تسويغها بأن جمهور الفقهاء يقولون بعدم وجوبه، بل ولا حتى على فرض وجود مَن يقول بأنه مباح أو حتى مكروه، وذلك بناءً على أن التبرج المجمع على تحريمه يُعامَل قانونًا على أنه داخل في حدود حرية الاختيار الشخصي، ولا يملك الدعاة حتى في المؤسسات الدينية الرسمية إلا تقديم النصيحة بشأنه، وبالتالي فحتى لو نزلوا بحكم ستر الوجه والكفين عن رتبة الاستحباب، وهي أقل ما وصف به حكمهما في المذاهب المعتبرة؛ فإن هذا لن يكون مسوغًا لإصدار قانون بمنعه، فلم يبقَ مِن ذريعة قانونية إلا ادعاء أن له أضرارًا، أو أنه متعارض مع حقوقٍ أخرى.

ويمكن تلخيص ما ادعوه في النقطتين الآتيتين:

- النقاب يخفي شخصية مَن يرتديه، ومِن حق المجتمع أن يعرف شخصية الأفراد الذين يسيرون في الطريق أو يتواجدون في الأماكن العامة.

- تَخفي بعض المجرمين في زي النقاب في جرائم الإرهاب والسرقة والخطف، وتخفي بعض الرجال فيه لتسهيل لقائه مع فتاة أو سيدة يكون على علاقة محرمة بها.

1- الجواب على شبهة: أن النقاب يخفي شخصية مَن يرتديه، ومِن حق المجتمع أن يعرف شخصية الأفراد الذين يسيرون في الطريق أو يتواجدون في الأماكن العامة:

أقل ما يقال على هذه الشبهة أنها تنشئ حقًّا متوهمًا، وهو حق معرفة أفراد المجتمع لمعلوماتٍ تفصيليةٍ عمَّن يتواجدون في الأماكن العامة، ثم يتم استعمال هذا الحق المتوهم في العدوان على الحق الثابت للمنتقبة، ولا يخفى على أي مدققٍ في هذه الشبهة أنها تخفي وراءها روحًا عدائية تجاه النقاب؛ للموقف السلبي الذي يتخذه مَن يردد تلك الشبهة تجاه النقاب.

ويتضح هذا بالأمور الآتية:

- تلزم قوانين المرور (وليس فقط تبيح) سائقي الدراجات النارية بلبس خوذة -حماية لهم مِن الحوادث-، ومع هذا لم نرَ مَن يشتكي مِن أنه لا يعلم أعيان سائقي هذه الدراجات، مع العلم بأن استعمال الدراجات النارية في الجرائم سواء الجنائي منها أو الإرهابي أكثر بكثيرٍ، ولكن هذا لم يدفع أحدًا إلى منع حق المواطن العادي في ركوب هذه الدراجة، بل وألزمه القانون حال ركوبها أن يخفي وجهه بتلك الخوذة.

- مجرد رؤية وجوه مَن حولك لا تجعلك تعرف أعيانهم، ولا تتضمن وجوههم أكثر مما تعرفه عندما تدخل منتقبة إلى جامعةٍ أو تصعد إلى قطار أو مترو، فتعرف فقط أن هاهنا إنسانًا أو إنسانة.

وأما التأكد مِن جنس مَن حولك؛ فأيضًا لا يمنحه لك مجرد رؤية وجوه مَن حولك إذا تصورنا أن الغرض مِن القانون هو تتبع مَن يتخفى خلف النقاب، وليس تتبع المنتقبات، فما زال أمام الرجل الذي يريد لأي غرضٍ جنائي أو غيره أن يبدو في صورة الأنثى اللجوء إلى الملابس والإكسسوارات والمكياج، فهل سيكون مصير هذه الأشياء المنع هي الأخرى هروبًا مِن احتمالية تخفي أحدٍ بواسطتها.

وأخيرًا: فإن محكمة القضاء الإداري "وأيدتها المحكمة الإدارية العليا، ثم دائرة توحيد المبادئ في المحكمة الإدارية العليا" قد قرروا جميعًا: أن حق التثبُّت مِن شخصية المواطن لا يكون إلا في الحالات التي حددها القانون، وأن هذه الحالات لا تبيح إصدار قرارٍ يمنع مِن النقاب، وإنما يجب توفير موظفة تقوم بهذا الأمر أو حتى موظف، وبشرط أن يكون هذا تحت رقابة القضاء، ولكن لا يتعدى على حرية المنتقبة مِن أجل ذلك، وذلك في الطعن رقم: 3219 لسنة 48 القضائية عليه.

ومما جاء فيه: "فإنه يجوز متى اقتضت الضرورة والصالح العام التحقق مِن شخصية المرأة، نزولًا على مقتضيات الأمن العام أو لتلقي العلم والخدمات المختلفة، أو لأدائهما، أو لغير ذلك مِن الاعتبارات التي تتطلبها الحياة اليومية المعاصِرة، والتي تستوجب التحقق مِن شخصية المرأة متى طُلب منها ذلك مِن الجهات المختصة، وذلك لإحدى بنات جنسها أو لمختصٍ معينٍ مِن الرجال، وبالقدر اللازم لتحقيق ما تقدم تحت رقابة القضاء".

ومما جاء في هذا الحكم أيضًا: "قام الحكم على أن إسدال المرأة النقاب أو الخمار على وجهها إن لم يكن واجبًا شرعيًّا في رأي، فإنه في رأي آخر ليس بمحظورٍ شرعًا، ولا يجرمه القانون كما لا ينكره العرف، ويظل النقاب طليقًا في غمار الحرية الشخصية، ومحررًا في كنف الحرية العقديَّة، ومِن ثَمَّ لا يجوز حظره بصفةٍ مطلقةٍ أو منعه بصورةٍ كليةٍ على المرأة، ولو في جهةٍ معينةٍ أو مكانٍ محددٍ؛ مما يحق لها ارتياده لما يمثِّله هذا الحظر المطلق أو المنع الكلي مِن مساسٍ بالحرية الشخصية في ارتداء الملابس، ومِن تقييد للحرية العقديَّة ولو إقبالًا على مذهبٍ ذي عزيمة أو إعراضًا عن آخر ذي رخصة، دون تنافرٍ مع قانون أو اصطدام بعرفٍ، بل تعريفًا وافيًا لصاحبته، ومظهرًا مغريًا بالحشمة، ورمزًا داعيًا للخلق القويم، عامة فلا جناح على امرأة أخذت نفسها بمذهبٍ شدد بالنقاب ولم ترتكن إلى آخر خفف بالحجاب ".

وما أجدر كل مَن يدعو إلى منع النقاب مِن تدبر تلك العبارة، على الأقل مِن كلام المحكمة.

لقد ظل الداعون إلى خلع النقاب يخاطبون المرأة المنتقبة أنهم مشفقون عليها، يريدون اطلاعها على ما حجبه عنها المتطرفون -بزعمهم- مِن أن جمهور أهل العلم يرون استحباب ستر الوجه والكفين دون الوجوب، ولكن هذا لم يزد المنتقبات إلا إصرارًا؛ لما يشاهدنه بأنفسهن مِن مآلات الأمور، وأن النقاب ليس وحده المستهدف، وأن كثيرًا ممَن يستهدف النقاب إذا سنحت الفرصة استهدف الحجاب ذاته، ثم إنهن يعلمن أن كثيرًا ممَّن يقول بالاستحباب كأصلٍ يقول بالوجوب في الفتنة.

ثم يبقى دائمًا التساؤل عند المنتقبات: لماذا تُجيش جهود هؤلاء المشفقين عليها لنزع نقابها؟! ولماذا لا يصرفون جزءًا مِن شفقتهم إلى الكاسيات العاريات؟! فينصحونهن ويدعونهن إلى التوبة؛ شفقة حقيقية عليهن، فإن أعظم شفقة أن يشفق الإنسان على نفسه، وعلى أهل بيته، وعلى جيرانه، وجميع الناس مِن أن يفعلوا ما يغضب الله، وما يستجلب عليهم عقابه.

الصفحة السابقة الصفحة التالية