شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (16)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

دماء الجاهلية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن مظاهر الجاهلية التي هدمها الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في خطبته بعرفة في حجة الوداع ووضعها تحت قدميه: "دماء الجاهلية وثاراتها"، وقد كان العرب يعتَدُون في ثأرهم في صراعاتهم القبلية قبل الإسلام، وكان ذلك حسب قوة القبيلة وشرفها فيما بينهم، فربما قَتَلوا الذَّكَر بالأنثى والحر بالعبد، دون اعتبار لشخص القاتل، وإنما للتنكيل بالقبيلة الضعيفة، وكذلك كانوا يقتلون مِن أشراف القبيلة التي منها القاتل دون التزامٍ بالقصاص مِن القاتل دون غيره، وقد جاء الإسلام بهدم ذلك كلِّه، قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:178-179) ، ونَصَّ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على تكافؤ المسلمين جميعًا في دمائهم، كما قال: ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

ودَلَّت الآية الكريمة على أن الذَّكَر الحُرَّ القاتل يُقتل بالذَّكَر الحُرِّ المقتول، وأن العبد القاتل يُقتل بالعبد المقتول، وأن الأنثى القاتلة تقتل بالأنثى المقتولة، ودَلَّت السُنَّة على أنه إن قَتَل الذكر أنثى فإنه يُقتص لها منه، كما في الصحيحين أن يهوديًا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بين حَجَرين، ثم إنه أُمسِك به فأَقَرَّ، فأمر النبيُّ أن يُرَضَّ رأسُه بيْن حَجَرين؛ فدَلَّ على أنه قُتل قِصاصًا وليس لِنَقْضِ العهد، مع عموم قول الله -تعالى-: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) (المائدة:45) ، وظاهرُ النصوص مِن الكِتاب والسُنَّة قتل الحُرِّ بالعَبْدِ، مع أنه خلاف قول الجمهور.

ودَلَّت آية القِصاص في سورة البقرة أيضًا على الترغيب في العفو، فقوله -تعالى-: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) (البقرة:178) ، تذكيرٌ لهم برابطة الأخوة الإيمانية التي تجمع بينهم -رغم القتل العمد-، وأن القاتل وإن ارتكب الجُرم الفظيع إلا أنه لم يخرج مِن دائرة الإسلام والإيمان -أي مطلق الإيمان لا كماله الواجب-؛ فهذا ترقيق لقلوب أولياء الدم أن يقبلوا الدية بدلًا مِن القِصاص.

وقد أجمع أهل العلم على أنه إذا عفا أحد أولياء الدم -وهم ورثة القتيل رجالًا كانوا أو نساءً أو أطفالًا- سَقَطَ القصاص؛ سواء كان العفو بلا مقابل أو كان عفوًا على الدية، واتفقوا على أن الأطفال دون البلوغ يُؤخَّر تخييرهم بيْن القصاص والعفو والدية إلى أن يَبلُغوا، وأن يُنتظَروا، ولا يجوز القصاص مع وجود بعض الورثة دون البلوغ، ولا يتولاه الكِبار ولا يَستأثِروا بالقرار دونهم، وكل هذا لتجنب القِصاص ما أمكن، ثم عدم إنفاذه إن أمكن أيضًا.

مع ما ثبت عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الترغيب في العفو في القتل العمد، كما في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَائِلٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: "إِنِّي لَقَاعِدٌ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَقُودُ آخَرَ بِنِسْعَةٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا قَتَلَ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : أَقَتَلْتَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْتَرِفْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ. قَالَ: نَعَمْ قَتَلْتَهُ. قَالَ: كَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَهُوَ نَخْتَبِطُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَسَبَّنِي، فَأَغْضَبَنِي؛ فَضَرَبْتُهُ بِالْفَأْسِ عَلَى قَرْنِهِ فَقَتَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ تُؤَدِّيهِ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: مَا لِي مَالٌ إِلَّا كِسَائِي وَفَأْسِي. قَالَ: فَتَرَى قَوْمَكَ يَشْتَرُونَكَ؟ قَالَ: أَنَا أَهْوَنُ عَلَى قَوْمِي مِنْ ذَاكَ. فَرَمَى إِلَيْهِ بِنِسْعَتِهِ، وَقَالَ: دُونَكَ صَاحِبَكَ. فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ( إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ ). فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ إِنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ، وَأَخَذْتُهُ بِأَمْرِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : (أ َمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ؟ ) قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَعَلَّهُ، قَالَ: بَلَى، قَالَ: ( فَإِنَّ ذَاكَ كَذَاكَ )، قَالَ: فَرَمَى بِنِسْعَتِهِ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.

ومعنى " فَهُوَ مِثْلُهُ ": أنهما استَوَيَا في الوصف بالقتل، وإن كان أحدهما قتل بحق، والآخر قتل بباطل.

و"الِنِسْعَة": هي حبل مِن جلود مضفورة جعلها كالزمام له يقوده بها.

واتَّبَع النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا الأسلوب لكي يرجع الوليُّ عما عَزم عليه مِن القصاص؛ ترغيبًا له في العفو.

وللأسف، قد عادت الجاهلية اليوم في أمر الدماء والثأر كما كانت قبْل الإسلام، فصارت العائلات والقبائل تَختار مَن تقتله -ثأرًا ممَن قَتل منها- ولو كان غير القاتل، بل ولو كان بريئًا مُتَبَرِّئًا مِن القتل رافضًا له ناهيًا عنه! ولكنه ذو المكانة العالية والوظيفة الرفيعة؛ فيقتلونه نِكَايةً في العائلة الأخرى!

الصفحة التالية