تأملات في حجة الوداع (16)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
كما صار القتلُ دون النظر إلى الوَرَثة مِن النساء والأطفال، بل ربما تَوَلَّاه الإخوة وأبناء العم، دون الورثة، ودون أن يَسألوا البالغ عما يُريد مِن الخيارات الثلاثة: القصاص أو العفو أو قبول الدية، ودون أن يَنتظروا الصغير حتى يَبْلُغ، وربما عَيَّروا مَن عفا أو قَبِل الدِّيَة أشد التعيير، وأنه يَقبل العوض في الدم، وأنه يبيع دم أبيه أو أخيه أو قريبه!
وزاد الفساد في استعمال كلمة القصاص في غير مَوضِعها، حتى صارت المُطَالَبة به في قتال الفِتَن والقتل الذي يحدث أثناءها، حيث لا يُتَبَيَّن مَن القاتل لِأَيِّ مقتول؛ إذ إطلاق النار يكون بطريقةٍ عشوائيةٍ لا يُمكن التحَقُّق معها، وليستْ هذه بصورة الاشتراك في القتل -كما يُوَصِّفُه الجُهَّال-؛ بل صورة الاشتراك في القتل بأن يشترك أكثر مِن واحدٍ في الضربات المؤثرة المؤدية إلى القتل، وقتل المعارك في الفتن والثورات والنزاعات القبلية والقومية ليستْ كذلك؛ بل الأغلب أنه لا يمكن معرفة عين القاتل لعين القتيل.
وكم عانى مجتمعُنا مِن تعيير مَن يُطالب بقبول الدية وتعيير مَن يَقبلها، حتى صار الناس يخافون مِن قبول ذلك، مع ترغيب الشرع فيه حقنًا للدماء ومنعًا لاستمرار الصراع الدموي بيْن الناس!
ومِن صور ثأر الجاهلية الباطل:
المُطَالَبة بالقِصاص -أو مُمارَسته بالفعل- في قتل الخطأ وشبه العمد، وهو قتيل السوط والعصى، وأنواع الضرب التي يُقصد بها الإصابة ولا يُقصد بها القتل غالبًا. مع نَصِّ الحديث على إثباته ومَنْع القِصاص فيه، بل فيه الدِّيَة المُغَلَّظة، كما جاء عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ نَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تُعَدُّ وَتُدَّعَى، وَكُلَّ دَمٍ أَوْ دَعْوَى مَوْضُوعَةٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ، وَسِقَايَةَ الْحَاجِّ، أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ خَطَإِ الْعَمْدِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا ) (رواه أحمد بسندٍ صحيح) .
والواجب على المسلمين القضاء على ثارات الجاهلية، ودمائها، وطُرُقِها التي أَبْطَلَها النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ووضعها تحت قدميه، في مجامع المسلمين الكبرى في حجة الوداع؛ فلنجتهد أن توضع تحت أقدامنا كذلك، وأن نطبِّق الشرع ونعود إليه، ونلتزم بأحكامه.
نسأل اللهَ أن يُخَلِّصَنا مِن الجاهلية كُلِّها، وكُلِّ شُرُورِها.