شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب أكتوبر 1973م في مذكرات "جولدا مائير"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

تقول جولدا: "وعاد بارليف مِن الشمال فأرسلناه إلى الجنوب لكي يقضي على الفوضى التي نشأت هناك نظرًا للاختلافات الحرجة بيْن آراء الجنرالات على الطبيعة حول التكتيكات التي يجب استعمالها، وطلب إليه أن يبقى هناك طالما كان ذلك لازمًا. واتصل بي تليفونيًّا مِن سيناء يوم الأربعاء -تعني يوم 10 أكتوبر-، وما إن قال لي بأسلوبه البطيء في الحديث (ج. و. ل. د. ا) علمتُ أن الأمور تسير سيرًا حسنًا، رغم أن معارك دموية أخرى حدثتْ بعد ذلك وراحت ضحيتها مئات الأرواح مِن الصغار والكبار أيضًا، ولعل ذلك هو ما جعل الناس بعدئذٍ يقترحون تسميتها لا بحرب يوم كيبور، وإنما حرب الآباء والأبناء الذين حاربوا بالفعل غالبًا جنبًا إلى جنبٍ، وقضيتُ عدة أيام والعذاب يمزقني خوفًا مِن أن تنفتح علينا جبهة ثالثة، وتنضم الأردن إلى الهجوم علينا، لكنه بدا واضحًا أن الملك حسين تعلم مِن درس الأيام الستة"، تعني هزيمته في حرب 1967م.

البدء في ثغرة الدفرسوار:

تقول جولدا: "وفي يوم 15 أكتوبر بدأت القوات الإسرائيلية في عبور قناة السويس مِن أجل إقامة رأس جسر على الجانب الآخر، وقضيت تلك الليلة في مكتبي وأنا أظن أنها لن تنتهي".

وتقول: "انقضى الليل في عذابٍ وتوترٍ، واستطاع المظليون العبور، أما المشاة والمدفعية والدبابات فقد تعطل نتيجة لقتالٍ وحشيٍ واجهناه. وتحدثتُ في اليوم التالي أمام الكنيست، ورغم شعوري بالتعب فقد تحدثت لمدة أربعين دقيقة؛ إذ كان لدي الكثير لأقوله. كذلك أردتُ أن أعلن على الملأ مدى امتناننا للرئيس والشعب الأمريكي، ومدى غضبنا مِن تلك الحكومات -وخاصة الفرنسية والبريطانية- التي اختارتْ فرض حظر على شحنات الأسلحة أثناء القتال دفاعًا عن أرواحنا".

معاناة الشعب الإسرائيلي:

تقول جولدا: "عدتُ إلى مكتبي لكي أواجه واحدًا مِن أقسى واجباتي، وهو مقابلة الآباء الذين فقدوا أبناءهم في القتال، ولعل واحدًا مِن أفظع الجوانب في حرب كيبور أننا بقينا لعدة أيام غير قادرين على تحديد مصير الجنود الذين فشلوا في الاتصال بعائلاتهم منذ بدء القتال".

وتقول: "ومرت أيام في الشتاء لم أكن فيها أقدر على الوقوف أمام جماعة أخرى مِن الأهالي، لعلمي أنني لا أملك شيئًا أقوله لهم، إذ كان المصريون والسوريون قد رفضوا تسليم الصليب الأحمر قوائم بالأسرى بعد نهاية الحرب بعدة أشهر أو حتى السماح لحاخامات الجيش بتفتيش أرض المعركة بحثًا عن الموتى".

وتقول: "وأخيرًا: وبعد وقف إطلاق النار، وبعد شهور مِن المفاوضات التي انتهت بالفصل بيْن القوات على الجبهتين عاد أسرانا مِن مصر وسوريا".

وتذكر "جولدا" أنه في 19 أكتوبر جاء كوسيجن -رئيس الخارجية الروسي- إلى القاهرة في زيارةٍ عاجلةٍ مِن أجل وقف إطلاق النار، وتذكر أن مطلبها كان أن يقبل العرب التفاوض مع إسرائيل، وأنها أقسمت في صمتٍ أنه على قدر تعلق الأمر بها فإن هذه الحرب لابد أن تنتهي بمعاهدة سلام، وأن تبذل كل ما في وسعها لتحقيق السلام مع العرب عن طريق المفاوضات.

قبول وقف إطلاق النار:

تقول جولدا: "وأدليتُ ببيانٍ أمام الكنيست يوم 23 أكتوبر عن وقف إطلاق النار، وحاولتُ أن أقنع شعب إسرائيل بأننا لم نقبله لضعفٍ عسكري، وأننا لم نطلبه، وقلتُ: إنه إذا لم يلتزم المصريون به، فلن نقف ساكتين، وكان متوقعًا أن يتحسن موقفنا على الجبهتين عما كان عليه عندما بدأت الحرب".

عودة الأسرى وجثث القتلى:

تقول جولدا: "وعاد أسرانا مِن مصر سواء الذين أُسروا في حرب الاستنزاف أو في حرب يوم كيبور. وقد بكى بعضهم كالأطفال عندما تقابلنا، وقد أحضروا معهم العديد مِن الهدايا، ولكن بقينا نجهل كل شيء عن أسرى الحرب في سوريا، وفي كل يوم تقريبًا كانت هناك جنازات عسكرية للذين قُتلوا في سيناء ثم عثر على جثثهم المتفحمة مؤخرًا وتم التعرف عليهم".

وتبيِّن جولدا في موضع آخر موقف دايان مِن تلك الجنازات فتقول: "شاهدته وهو يعود ممزقًا مِن تلك الجنازات المؤلمة بعد الحرب، عندما كانت النساء يدفعن الأطفال في وجهه صارخات: (أنت قتلتَ أباهم)، وكان النائحون يلوحون بقبضاتهم في وجهه، وهم يصفونه بأنه مجرم".

مطالبة الشعب للحكومة بالاستقالة:

وتقول: "وانطلقت الصيحات مِن كل قطاعات الشعب تطالب الحكومة بالاستقالة، والاتهامات بأن حالة الاستعداد الضعيفة لدى الجيش كانت نتيجة لأخطاء القيادة والإهمال، وانعدام الاتصال بيْن الحكومة والشعب. وقامت عدة حركات احتجاج، اختلفتْ في برامجها ومنطلقاتها، لكنها كانت تشترك في مطلبٍ واحدٍ هو التغيير".

وتضيف: "وكنتُ أختلف مع الكثير مما قالوه عن الماضي، لكن بعض ما قالوه كان صحيحًا... ".

وتقول: "ولقد كان السخط حقيقيًّا، وكان معظمه تعبيرًا طبيعيًّا عن الغضب إزاء السلسلة القاتلة مِن الأخطاء التي وقعتْ، ولم تكن استقالتي أو استقالة دايان هي المطلوبة في هذه العاصفة مِن الاحتجاج، لقد كان المطلوب أن يزال مِن على المسرح كل مَن كان مسئولًا عما حدث، وأن نبدأ مِن جديدٍ بأناسٍ جدد، أناس أصغر سنًّا، لم يوصموا بتهمة تضليل الأمة في مسيرتها".

تقول جولدا: "وجاء دايان بعد ذلك إلى مكتبي، وسألني مرة ثانية: هل تريدين مني أن أستقيل؟ إنني على استعداد لأن أفعل ذلك. ومرة ثانية قلتُ له: لا... فقد كنت أعلم أن تشكيل لجنة تحقيق رسمية أصبح وشيكًا، وهي اللجنة التي شكلت في 18 نوفمبر تحت رئاسة رئيس المحكمة العليا، وعلى هذا فإلى أن تنهي عملها وترفع نتائجها، فإن مبدأ مسؤولية الحكومة الجماعية يظل قائمًا، وتظل نفس أهمية المسؤولية الوزارية".

وتضيف: "ورغم أن الاستقالة كانت تراودني، فقد وجدتُ أن مِن الأفضل أن أبقى وقتًا قليلا، وكذلك دايان".

إدانة القادة العسكريين رسميًّا:

وتعلق جولدا على تقرير لجنة التحقيقات الأول الذي في نشر في 3 أبريل 1974م فتقول: "وقد برأ هذا التقرير دايان مِن أي (مسئولية مباشرة) عن عدم استعداد إسرائيل في يوم كيبور، لكن التقرير عامل رئيس الأركان ورئيس المخابرات بقسوةٍ إلى حدِّ أن (دادو) -تعني رئيس الأركان- استقال على الفور".

الصفحة السابقة الصفحة التالية