شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حرب أكتوبر 1973م في مذكرات "جولدا مائير"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

تذكر جولدا إنه في الرابعة مِن صباح يوم السبت 6 أكتوبر أخبرت تليفونيًّا بأن معلومات مِن مخابراتٍ موثوقةٍ تفيد بأن المصريين والسوريين سوف يشنون هجومًا مشتركًا في وقتٍ متأخرٍ مِن بعد ظهر اليوم، فعقدت اجتماعًا مع رجالها العسكريين، فأوصى رئيس الأركان بتعبئة كل سلاح الطيران وأربع فرق، وأنه إذا تم الاستدعاء فورًا فسيكون بإمكان هذه القوات أن تتحرك وتعمل في صباح اليوم التالي، أي الأحد 7 أكتوبر، وكان مِن رأيه البدء بضربةٍ جويةٍ إجهاضيةٍ ما دام أن الحرب قد باتت واضحة، وأن سلاح الطيران يمكن أن يكون جاهزًا للضربة الوقائية عند الظهر حال الأمر بذلك، أما موشيه دايان -وزير الدفاع- فكان يحبذ تعبئة سلاح الطيران واستدعاء فرقتين فقط؛ بدعوى أن التعبئة العامة قبْل إطلاق رصاصة واحدة على إسرائيل، أو قيام إسرائيل بضربةٍ إجهاضيةٍ، قد تكون سببًا في اتهام إسرائيل ببدء العدوان، خاصة وأنه يمكن معالجة الموقف بسلاح الطيران وفرقتين، فإذا ساء الموقف يمكن استدعاء المزيد خلال ساعات.

ورأت جولدا أن القيام بضربةٍ وقائيةٍ قد يمنع إسرائيل مِن الحصول على مساعدةٍ مِن أحدٍ إن احتاجت إليها في المستقبل، كما لم تؤيد التعبئة العامة، وطلبتْ عقد اجتماع للحكومة ظهرًا، وأبلغت السفير الأمريكي وقتها بتقارير المخابرات بأن الهجوم سيكون في ساعة متأخرة مِن اليوم، وأن إسرائيل لن تبدأ بالضربة الأولى، على أمل أن تتدخل أمريكا أو روسيا مع المصريين والسوريين؛ لمنع وقوع حرب.

الحكومة تفاجأ بالحرب:

تذكر جولدا أن الحكومة استمعتْ في اجتماعها ظهرًا إلى وصفٍ كاملٍ للموقف، وبينما هُمْ مجتمعون جاء الخبر بأن الضرب بدأ، وسمع في نفس اللحظة تقريبًا صوت صفارات الإنذار في تل أبيب، وبدأت الحرب.

وكانت الصدمة... لم يتم الإنذار في وقتٍ مناسبٍ، والضرب على جبهتين، والعدو متفوق مِن الناحية العددية في السلاح والرجال، وثبت خطأ الافتراضات الأساسية للحكومة ولقادة الجيش، ولم يكن ممكنًا أن تكون الظروف أسوأ مما هي عليه.

وظلت الاجتماعات مستمرة في مكتبها وغرفة الحرب طوال النهار والليل، تتخللها مكالمات تليفونية مِن واشنطون وأنباء سيئة مِن الجبهات.

تقول جولدا: "لكننا حتى في أحلك الأيام تلك التي عرفنا فيها مدى الخسائر التي لحقتْ بنا، لن نفقد إيماننا بجنود جيش الدفاع الإسرائيلي".

وتضيف: "ولا أظنني سوف أنسى ذلك اليوم الذي سمعتُ فيه أسوأ التنبؤات المتشائمة".

يوم 7 أكتوبر:

تذكر جولدا أن دايان عاد مِن جولاته على الجبهة عصرًا وقابلها على الفور، وكان رأيه أن الموقف على الجبهة الجنوبية (الجبهة المصرية) يوجب الانسحاب الجذري، وإقامة خط دفاعٍ جديدٍ.

تقول جولدا: "واستمعتُ إليه في فزعٍ". وحضر رئيس الأركان فاقترح الاستمرار في الهجوم في الجنوب، مع الإذن له بالذهاب إلى القيادة الجنوبية للإشراف على سير الأمور بنفسه، مع السماح له باتخاذ ما يراه على الطبيعة مِن قراراتٍ، ونال الموافقة على ذلك. وفي المساء وافقت الحكومة في اجتماعها على القيام بهجومٍ مضادٍّ ضد المصريين في اليوم التالي، يوم 8 أكتوبر.

تقول جولدا: "كان المصريون قد عبروا القناة، وكانت قواتنا في سيناء قد تحطمت، وكان السوريون قد تغلغلوا في عمق مرتفعات الجولان، وكانت الخسائر على كلا الجانبين مرتفعة للغاية".

وكان السؤال: هل يتم تبليغ الأمة بمدى هذا السوء؟

تقول جولدا: "كان مِن الضروري إعلان أي بيانٍ على الفور، وهكذا تحدثتُ في أول أيام الحرب إلى مواطني إسرائيل. وكانت واحدة مِن أشق المهام في حياتي؛ لأنني كنتُ أعلم أنني لا يجب أن أقول كل الحقيقة. وتحدثتُ إلى شعب ليس لديه أدنى فكرة عن الضريبة الرهيبة التي ندفعها في الشمال وفي الجنوب، أو عن الخطر الذي تواجهه إسرائيل إلى أن تتم تعبئة الاحتياطي ويدفعون إلى المعركة، فقلتُ: إنه ليس هناك شك في أننا سوف ننتصر، وأننا فعلنا كل ما يجب مِن أجل منع اندلاع الحرب، لكن الهجوم المصري السوري قد بدأ".

دايان يبدي استعداده للاستقالة:

وتذكر جولدا أن دايان أبلغها في هذا اليوم بأنه على استعداد للاستقالة مِن منصب وزارة الدفاع إن أرادتْ، ولكنها أبقته في منصبه.

وقد تم بعدها إرسال بارليف إلى الشمال لتقييم الموقف، وبدأ الحديث حول الحصول على المعونة العسكرية مِن أمريكا خاصة مع إمكانية أن تكون الحرب طويلة.

وفي يوم 10 أكتوبر تم دفع السوريين للعودة إلى خطوط عام 1967م، بينما سكن الوضع نسبيًّا في الجنوب، وبدأ التفكير في محاولة عبور جنود إسرائيليين للقناة.

جولدا تستغيث بأمريكا... وأمريكا تنقذ إسرائيل:

تذكر جولدا أنه مع مسيس الحاجة للسلاح كان تكرار طلب السلاح مِن أمريكا والاستياء مِن تأخيره، حتى إنها اتصلتْ ذات مرة بسفيرها في واشنطن في الثالثة صباحًا، وسألته: لماذا لم يبدأ الجسر الجوي بعد؟ وأخبرها عدم إمكان التحدث مع أحدٍ مِن المسؤولين الأمريكيين في هذا الوقت المبكر للغاية، فصرختْ فيه بغضب: "لا يهمني ما هي الساعة الآن، اطلب كيسنجر حالًا، في وسط الليل، نحن في حاجةٍ إلى النجدة بسرعة اليوم؛ لأنها قد تكون متأخرة جدًّا غدًا".

وتضيف جولدا: "وكانت كل ساعة مِن ساعات الانتظار تنقضي وكأنها قرن بالنسبة لي، ولم يكن أمامنا خيار إلا أن نصمد آملين أن تحمل إلينا الساعة المقبلة أخبارًا أفضل. وأبلغتُ دنيتز -سفيرها في واشنطن- تليفونيًّا أنني على استعداد للسفر إلى واشنطن سرًّا لمقابلة نيكسون إذا كان بوسعه ترتيب ذلك، وقلتُ له: أبلغني حالًا فأنا أريد السفر بأسرع ما يمكن".

ثم تضيف: "لكن ذلك لم يكن ضروريًّا فقد أمر نيكسون بنفسه أخيرًا بإرسال الطائرات الجبارة جالاكسي، ووصلتْ أولى رحلاتها في اليوم التاسع مِن الحرب 14 أكتوبر".

وتضيف: "إن هذا الجسر الجوي لا يمكن تقدير قيمته! إنه لم يرفع فقط مِن روحنا المعنوية، وإنما ساهم في توضيح الموقف الأمريكي أمام الاتحاد السوفيتي، وساعدنا مِن الناحية العسكرية، وبكيتُ لأول مرة منذ بداية الحرب عندما علمتُ أن الطائرات قد حطتْ -أي وصلتْ- بمطار اللد".

أيام كلها قلق!

الصفحة السابقة الصفحة التالية