دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (3) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
خطر التسويف بالأعمال الصالحة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- تكرير التذكير بفضل القصة وأثرها على قلوب الصالحين: قال كثير مِن العلماء: "ما قرأها أو طالعها أحد إلا رقَّ قلبه".
- حاجتنا إلى الدروس التربوية الكثيرة التي اشتملتها القصة، في زمانٍ غابت فيه التربية وحلت فيه أرذل الصفات الأخلاقية.
- التذكير بالقصة باختصارٍ، ثم الإشارة إلى وقفة اليوم، أو الدرس المأخوذة مِن القصة اليوم.
أولًا: خطر التسويف:
- المقصود بذلك: تأخير فعل الخير بغير مسوغٍ أو مقتضى.
- وهذا هو التسويف الذي وقع فيه الثلاثة -رضي الله عنهم-: قال كعب بن مالك -رضي الله عنه-: " وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ ".
- حذر الشرع الحكيم مِن التسويف: قال الله -تعالى-: ( وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ . وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المنافقون:10-11) ، وقال: ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (المؤمنون:99-100) .
- وحث الشرع على المبادرة بالأعمال الصالحة وعدم التسويف بها: قال الله -تعالى-: ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (الأنبياء:90) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال:24) ، وقال: ( سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) (الحديد:21) .
وقال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد".
وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك".
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها والتسويف بها".
ثانيًا: أسباب التسويف:
- هذه أبرز الأسباب، ولا يلزم اجتماعها، وإلا فإن الواحدة منها كفيلة بوقوع صاحبها في التسويف، وإن كان بعضها أشد مِن بعض.
1- ضعف الإرادة والعزيمة:
- الشرع يحث على قوة الإرادة في الخير، ويحذر مِن الضعف والعجز والتردد: قال الله -تعالى-: ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (البقرة:63) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ ) (رواه مسلم) .
وقال الشاعر:
إذا كُنتَ ذا رأيٍ فَكُنْ ذا عَزيمَةٍ فـإنَّ فـَسـادَ الــرأيِ أنْ تَـترددا
صور مِن قوة الإرادة ونفاذ العزيمة:
- النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يواجه قريشًا يوم الحديبية رغم المحاولات الكثيرة لإضعافه عن موقفه: قال -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أزالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ " (رواه أحمد في مسنده بسندٍ حسن) .
- أبو بكر -رضي الله عنه- يواجه آراء الصحابة المخالفة له في إيقاف جيش أسامة -رضي الله عنه-، وحروب المرتدين ومانعي الزكاة: فقال -رضي الله عنه-: "والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننتُ أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته"، وقال في مانعي الزكاة: "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ" (متفق عليه) .
- الإمام أحمد -رحمه الله- يواجِه فتنة خلق القرآن بقوة إرادة ونفاذ عزيمة، في الوقت الذي ضعف الناس فيه عن مواجهة الأمراء المبتدعين، وانزوى بعض العلماء صيانة لعرضه ونفسه.
2- ضعف الاحتساب: