دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (3) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- المحتسب للأجر وطلب الدرجات عند الله، ما إن يبلغه دليل الفضل والأجر، يقبل على الخير غير مسوف، وتهون عنده الصعاب: عن عبد الله بن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: سمعتُ أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: سَمِعْتُ أَبِي، وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ )، فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، آنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ" (رواه مسلم) (1) .
- أهل الاسلام أولى بالاحتساب والصبر لنيل المنازل العالية عند الله: قال الشيخ "محمد إسماعيل المقدم" في علو الهمة (ص 2965): "قال د.عبد الودود شلبي في كتابه: "محكمة التاريخ": أذكر أنني ترددت كثيرًا جدًّا على مركزٍ مِن مراكز إعداد المبشرين في مدريد، وفي فناء المبنى الواسع وضعوا لوحة كبيرة كتبوا عليها: أيها المبشر الشاب! نحن لا نعدك بوظيفةٍ أو عملٍ أو سكنٍ أو فراشٍ وثيرٍ، إننا ندرك أنك لن تجد في عملك التبشيري إلا التعب والمرض في سبيل المسيح. وكل ما نقدمه إليك هو العلم والخبز وفراش خشن في كوخ صغير، أجرك كله ستجده عند الله، إذا أدركك الموت وأنت في طريق المسيح كنت مِن السعداء".
وهذه الكلمات حركت كثيرًا مِن جند الشيطان المبشرين بالنيران، مِن حملة الشهادات في الطب والجراحة والصيدلة، وغيرها مِن التخصصات للذهاب إلى الصحاري القاحلة، والغابات التي لا توجد فيها إلا الخيام والمستنقعات المليئة بالنتن والميكروبات... تضحية بكل هذا لأجل الباطل الذي يعتقد صحته!
3- مصاحبة الكسالى والمسوفين:
- الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيف، فكيف بالنفوس البشرية؟! فالكسول شعاره: "أمامك ليل طويل فارقد!"، قال النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: ( الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ " (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) . وقالوا: "الطباع سراقة!".
- الكسل والتسويف يفوت الخير ويؤخر عن المنازل العالية: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِنَّهُمْ كَثِيرٌ. قَالَ: الْعَجَبُ لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَرَى النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْكَ وَفِي الأَرْضِ مَنْ تَرَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ : فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَتَتَبُّعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِنْ كُنْتُ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنْ رَجُلٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ فَأَجِدُهُ قَائِلًا: فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ تَسْفِي الرِّيَاحُ فِي وَجْهِي حَتَّى يَخْرُجَ، فَيَقُولُ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ؟ فَأَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْكَ، فَيَقُولُ: فَهَلا بَعَثْتَ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَقُولُ: "أَنَا كُنْتُ أَحَقَّ أَنْ آتِيَكَ، فَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَمُرُّ بِي بَعْدُ، وَالنَّاسُ يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَعْقَلَ مِنِّي" (فضائل الصحابة للإمام لأحمد) .
خاتمة:
- تذكير بدرس اليوم مِن قصة الثلاثة، والتحذير بإجمالٍ مِن خطر التسويف بالأعمال الصالحة.
- التذكير بأن التسويف كاد أن يهلك مَن شهد بدرًا والعقبة، وتسبب في هجر الناس لهم، ولولا رحمة الله -تعالى- بهم: ( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) (التوبة:118) ؛ لكانوا في صفوف المنافقين!
- لا بأس مِن إعادة عبارات كعب بن مالك -رضي الله عنه- شاهد درس اليوم لتكون عالقة بأذهان السامعين، ورابطة بينهم وبيْن الفوائد المذكورة.
نسأل الله -تعالى- أن يقينا وإياكم شر التسويف، وأن يجعلنا مِن السباقين للخيرات.
والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقصود بذلك: أن قوة الإرادة هي قوة العزيمة التي تحمل صاحبها على المبادرة والاحترام بقوةٍ على فعل الخيرات دون ترددٍ.