رحلة مع أولياء الله الصالحين
سعيد السواح • المنهج السلفي
ونقول: اللهم إنا نشهدك أنا نحبك ونحب دينك وشراعك، ونشهدك أنا نحب عبدك ونبيك وحبيبك محمدًا -صلى الله عليه وسلم- الذي أنرت لنا به الطريق، ونحب أولياءك الصالحين الذين شهدت لهم بالصلاح والتقوى، وقلت في شأنهم: ( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (يونس: 62 – 64).
أيها المسلم الحبيب.. قل لي بربك -لو سألناك-: أتعلم ما هو حال المقبور الذي هو عليه الآن في قبره؟ هل تستطيع أن تنفذ من خلال قبره، فتقول لنا: أهو في الجنة أم في النار؟ أتراه الآن متنعمًا في قبره؟ أم تراه معذبًا في قبره؟
فأن قلت: بل أراه في الجنة، وما أراه إلا منعمًا؛ لقلنا لك: من الذي قال لك عن حاله الذي هو عليه في قبره؟ أفتح لك قبره؛ فرأيت حاله؟ أم فتح لغيرنا؛ فنقلوا لنا ما شاهدوه من حاله؟
لو سألناك -أيها الحبيب- وقلنا لك: قل لي -بربك-: أعبد أنت أم رب؟ قد تعجب من هذا السؤال، وتقول على الفور: بل أنا عبد؛ لقلنا لك: لماذا تطغى على سلطان الرب؟ لعلك تقول: ومن ذا الذي يجرؤ أن يتعدى حدوده مع ربه أو يتجرأ على سلطانه، فوالله إني لأحب ربي وأجله وأعظمه.
قلنا لك: مهلاً أيها المسلم.. مهلاً أيها الحبيب المحب لربه ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإليك -أيها الحبيب- نهدي لك هذه الصور التي تبين لك حدود العبد، وكيف أنه ليس لأحد الحق في أن يتدخل في سلطان الرب، حتى لو كان النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- عند ربه؟
فمما لا شك فيه -لدينا ولديك- أن أكرم خلق الله عند ربه هو نبينا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فنحن لا نختلف نحن ولا أنت في ذلك، بل ولا يختلف معنا في ذلك أي مسلم أو مسلمة.
فنقول لك -أيها الحبيب-: نحن نريد منك أن تنظر إلى الآيات التي أنزلت عتابًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، أتدري فيما عاتب الله -تعالى- رسوله -صلى الله عليه وسلم-؟
فهذا عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يقول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر قال: ( اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاَنًا وَفُلاَنًا ) (رواه الإمام أحمد والبخاري) ، ( اللهُمَّ الْعَنِ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، اللهُمَّ الْعَنْ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، اللهُمَّ الْعَنْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ ) (رواه الإمام أحمد في "مسنده") ، فنزلت الآية: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ...) (آل عمران:128) . فتيب عليهم كلهم.
وهذا -أيضًا- أنس بن مالك -رضي الله عنه- يذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته حتى سال الدم على وجهه، فقال: ( كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ- ) (رواه الترمذي) ، فأنزل الله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .
أعقلت -أيها الحبيب- سبب نزول هذه الآية؟! فلما دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء النفر باللعنة، ولما دعا على هؤلاء الذين ألحقوا به الأذى حتى أصيب بهذه الجراحات البالغة نزلت الآيات أن ليس لك تدخل فيمن يكتب الله -تعالى- له الهداية، ومن يستحق اللعنة والطرد من رحمة الله -تعالى-، فالهداية والإضلال بيد الله وحده ليس لغيره -سبحانه- فيها نصيب حتى لو كنت أنت يا محمد!.
وهذا من الرب -تعالى-؛ لكي نتعلم أن العبد عبد والرب رب، ومهما كانت منزلة هذا العبد فلا ينبغي أن يتعدى حدوده، ويتدخل في سلطان الرب -سبحانه-.
وانظر كذلك -أيها الحبيب- إلى عتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة لما توفي صبي، فقالت: "طوبى له، عصفور من عصافير الجنة"، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوَ لاَ تَدْرِينَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ النَّارَ فَخَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلًا وَلِهَذِهِ أَهْلاً؟! ) (رواه مسلم) .
وكذلك إلى عتابه -صلى الله عليه وسلم- لهذه المرأة " أم العلاء " ، فتقول أم العلاء -رضي الله عنها- أن عثمان بن مظعون طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فاشتكى عثمان عندنا، فمرضته حتى توفى وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟ ) قالت: قلت لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمن؟ قال: ( أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ -وَاللَّهِ- الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَمَا أَدْرِي -وَاللَّهِ وَأَنَا رَسُولُ اللَّه- مَا يُفْعَلُ بِي ) قالت: والله لا أزكي أحدًا بعده (رواه الإمام أحمد والبخاري) .
فتخيل -أيها الحبيب- قول النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو أكرم خلق الله -تعالى-: ( وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَمَا أَدْرِي -وَاللَّهِ وَأَنَا رَسُولُ اللَّه- مَا يُفْعَلُ بِي ).
أتستطيع بعد ذلك -ونحن لسنا بأنبياء، ولا يتنزل علينا الوحي- أن نحكم لإنسان بالجنة إلا لمن شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم-، فو الله ما شهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأحد بالجنة إلا بوحي من الله -تعالى-.
بل انظر -أيها الحبيب- إلى قول حبيبنا وحبيبك محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى لا تغتر بظاهر عمل الإنسان، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) (متفق عليه) .
