رحلة مع أولياء الله الصالحين
سعيد السواح • المنهج السلفي
بل انظر -أيها الحبيب- إلى هذه الرواية القاصمة التي ألجمتنا عن الكلام، فقد قال حبيبنا وحبيبك محمد -صلى الله عليه وسلم-: ( سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ ) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ( وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ ) (مسلم).
فهل لنا -أيها الحبيب- بعد ذلك أن نحكم لأحد بالجنة، حتى لو رأيناه صائمًا، حتى ولو رأيناه لم يرفع رأسه من السجود لربه، بل نقول: إن أمره إلى الله -تعالى-، فنحن ما أطلعنا إلا على ظاهره، ولكن الله وحده هو الموكل بالسرائر وبواطن الأمور.
بل نهمس في أذنيك -أيها الحبيب-، ونقول لك: أتدري من هم أول ثلاثة تسعر بهم النيران؟، لعلك لا تصدق، بل نخش عليك ألا تصدق، ولكن حسبك أن هذا -والله- هو كلام نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد جاء عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم-: أن أول ثلاثة تسعر نهم النار: عالم ومتصدق وشهيد فيؤتى بهذا العالم فيعرفه نعمه فيعرفها، فقال: ماذا عملت فيها؟ يقول: علمت العلم وقرأت فيك القرآن. فيقال: كذبت، بل ليقال قارئ وعالم وقد قيل، فيؤمر به فيسحب على وجهه في النار (رواه الترمذي، وصححه الألباني ) ، وكذلك يكون الحال بالنسبة لهذا المتصدق والشهيد.
فكما ترى -أيها الحبيب-، إن أعمالهم الظاهرة هي أعمال صالحة، بل لقد أتوا بأرقى وأرفع الأعمال الصالحة فيما نرى، لو حكمنا على ظواهرهم؛ لقلنا: إن لم يكونوا هؤلاء من أهل الجنة، فمن يكون إذًا؟! ولكن كما سمعت أنهم من أهل النار، بل هم أول من يسعر به النار، وما السبب في ذلك؟
هو لأمر لا اطلاع لنا عليه، ولا سبيل لاطلاع أحد عليه، ألا وهو باطن هذا الإنسان، وهذا من شأن الله وحده، فنحن نرى ظواهر هذه الأعمال، والله -تعالى- وحده هو المطلع على سرائرهم وبواطنهم، فلما كان مقصدهم الذكر عند الناس، فكان عقابهم في الآخرة أن يكونوا من أصحاب السعير، بل أول من تسعر بهم جهنم.
أعقلت ذلك -أيها الحبيب-؟، فما أنت قائل بعد ذلك؟
أترى أن هناك من أعطاه الله ومنحه السلطان؛ ليحكم على الناس هذا في الجنة وهذا في النار؟، أم أن هذا من خصائص الله -سبحانه- دون سواه؟
قال الله -تعالى-: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (البقرة: 229) .
فنقول لك -أيها الحبيب-: فمن قال لك: إن فلانًا ولي من أولياء الله الصالحين؟ أهو بوحي من السماء نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبلغنا إياه؟
فإن لم يكن -أيها الحبيب-؛ فمن أين جاءوا بهذا القول الذي يتردد على السنة الناس: فلان ولي، وفلان ولي؟
قد تقول -أيها الحبيب-: لقد نشأنا ووجدنا الآباء على ذلك الأمر وكذلك الأجداد، فلقد أبصرنا الآباء يفعلون، فنحن نفعل كما كانوا يفعلون، فلقد رأينا الآباء منذ الصغر يصطحبوننا إلى هذه الأماكن يتبركون بهذا الولي.
ولعلك -أيها الحبيب- تتساءل وتقول: فمن أين جاءوا بذلك الأمر؟!. ولعلك يجول بخاطرك -وأنت تنظر إلى هذه الألوف المؤلفة الذين جاءوا من أماكن بعيدة ومتعددة-: أكل هؤلاء لم يرد بخاطرهم أن يقفوا ولو مرة واحدة مع هذا الأمر؟
عندها نقول لك -أيها الحبيب-: قف مع نفسك، واسترجع عند ذلك ما قاله الله -تعالى- عن الأمم السابقة وسبب ضلالهم، وما كان ذلك إلا باتباعهم للعادات الموروثة عن الآباء، دون الوقوف على صحتها.
بل فلتردد -أيها الحبيب- وتقول: الله أكبر، إنها -والله- السنن التي قال عنها نبينا وحبيبنا ومعلمنا ومصطفى الله من خلقه: ( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ؟! ) ( متفق عليه ) .
فإن قلنا لك عند ذلك -أيها الحبيب-: فما هو سبيلنا لكي نتعرف على ديننا وشرعنا؟ أيكون ذلك من خلال النبي -صلى الله عليه وسلم- أم من خلال الآباء، فإن قال لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قولاً، وقال الآباء عكس ما قال، أو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلاً وفعل الآباء عكس ما فعل، فمن عند ذلك تتبع؟
ما نظنك إلا أنك ستتبع سبيل حبيبك الذي أنار الله لنا الطريق به، فكيف نترك هذا النور؛ لكي نسير في الظلمات، خاصة بعدما قرأنا في كتاب ربنا وما قصه علينا الرحمن من سبب ضلال الأمم السابقة.
وكذلك عليك أن تعلم -أيها الحبيب- أنه قد يراود عقلك خاطر: "وما المانع طالما كان المقصد خير، فما قصدنا بذلك إلا تعظيم أولياء الله الصالحين؟!!".
قلنا لك -أيها الحبيب-: أيكفي أن يكون المقصد خير؟ أم لابد كذلك أن يكون العمل على منهاج النبوة؟ فالله -تعالى- قال في كتابه: ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا ) (الكهف:110) .
لم يقل: فلتكن نيته فقط صالحة، ولكن لا اعتبار للنية الصالحة إلا عندما تكون مقرونة بعمل صالح كان عليه رسولنا -صلى الله عليه وسلم-.
فيا أيها الحبيب، بمن اقتديت؟، وبمن اهتديت؟، وبأي حبل تمسكت؟، وفي أي طريق سلكت؟
أيها الحبيب، أما علمت أن اليهود والنصارى ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤ، ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )، فكان الرد: ( قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (المائدة: 18) .
بل انظر عندما قالوا: لن يدخل الجنة إلا هم دون سواهم: ( وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (البقرة: 111) .
فهذا بزعمهم الباطل، يقولون هذه الأقاويل الباطلة التي أبطلها الله -تعالى- -كما تعلم- في كتابه.
