شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحلة مع أولياء الله الصالحين

سعيد السواح • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ؛

فيا أيها المسلم الحبيب..

إن الإنسان ليحتاج في بعض الأحيان أن يقتطع ويختطف لحظات من وقته؛ ليخلو فيها بينه وبين نفسه؛ ليقيم ما مضى من حياته، وكم نكتشف ظلم الإنسان لنفسه أن أيامه تسير بلا توقف حتى نفاجأ بتوقف الحياة.

ولقد استوقفتني آية في كتاب الله -تعالى-، وأنا أقرأ في سورة "المائدة"، استوقفتني كثيرًا على الرغم من إننا نقرأها ونسمعها كثيرًا، حيث قال الله -تعالى-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) (المائدة: 72).

وكذلك الآية التي تليها: ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ ) (المائدة: 73).

وتذكرت على الفور الآية التي في سورة التوبة، حيث قال -سبحانه-: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ) (التوبة:30) .

فرأيتني أفزع وأنا أفكر في هذه الملايين، بل قل عشرات الملايين، بل مئات الملايين الذين تفرقوا في كل بقاع الأرض.

منهم من يقول: إن المسيح هو الله.

منهم من يقول: إن المسيح ابن الله.

ومنهم من يقول: بل هو ثالث ثلاثة.

فعجبت من عقولهم كيف يرددون هذه الأقوال؟! أما منهم من يفكر في صحة ما يقول؟ أم هي أقوال ورثوها عن آبائهم، فنطقوا دون أن يتفكروا؟ أهي أقوال صحيحة أم باطلة؟

ولاشك -أيها الحبيب- أننا لو سألناك ترى أي فريق من هؤلاء على حق وأي منهم على باطل؟ فلن تختلف إجابتك عن إجابتنا، ولوجدتنا نردد سويًّا ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (الإخلاص).

ولقلت: ما هذه الأباطيل والأكاذيب والسفاهات؟!.

ولكني بدأت أفكر لماذا لم يصل هؤلاء القوم إلى هذه الحقيقة الواضحة الجلية؟، ولماذا مازالوا على هذه العقيدة الفاسدة؟، وعندما تصفحت المصحف؛ فإذا بالإجابة الشافية من كتاب الله -تعالى- التي بينت سبب عدم تركهم لهذا الباطل، واتباعهم لهذا الحق.

أتدري -أيها الحبيب- ما السبب الذي جعل هؤلاء يتوارثون هذا الباطل، ويورثونه لأبنائهم؟

أترى -أيها الحبيب- أننا لو قلنا لهم ودعوناهم لكي نفكر في هذا الأمر، ونتدارسه؛ لنظهر الحق من الباطل، أتراهم يقبلون ذلك؟

نقول لك -أيها الحبيب-: إنهم لن يقبلوا، بل يعترضوا على ذلك، ولقالوا لك: نحن على ما توارثناه من الآباء.

وهذا ما بيَّن لنا الله -تعالى- في كتابه: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ )؛ لقالوا: (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا) (البقرة: 17)،

ولقالوا لنا: ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (الزخرف: 22) ، ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) (الزخرف: 23) .

فهم توارثوا عادات، وهم على غير استعداد لترك العادات والتقاليد التي وجدوا عليها آباءهم.

فنقول لك -أيها الحبيب-: هل تقبل منهم ذلك الرد؟ أيصلح ذلك أن يكون عذرًا لكفرهم بربهم؟ أيصلح أن يكون ذلك مبررًا لهذا الباطل الذي هم عليه؟

ونقول لهم: ألم تسمعوا إلى قول ربكم: ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (البقرة: 107) ، ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُون ﴾ (المائدة: 104) ؟

لقد أغلقوا عقولهم، والغوا تفكيرهم، وتركوا هدى ربهم، واستعاضوا عنه بالعادات التي ورثوها عن الآباء، فلم يكونوا على استعداد لتركها.

ثم رأيتني -أيها الحبيب- أتصفح حياتي وأفكاري، وبرز في خاطري أمر شغلني كثيرًا، ولكنه يحتاج إلى وقفة وجرأة شديدة مع النفس، التي تأبى دومًا ترك العادات الموروثة عن الآباء، وتغلق عنها العقول؛ خوفًا من أن تكتشف خطأ في هذه العادات، فرأيتني أحدث نفسي، وأقول: من نصدق ومن نتبع؟ أأصدق هؤلاء الذين يقفون عند قبر من هذه القبور المبنية في المساجد، ويتزاحمون على هذا القبر بالمئات؟! بل قل: بالآلاف، بل قل: ألوف مؤلفة قد أتوا من كل حدب وصوب، وقطعوا هذه المسافات الطويلة يتبركون بصاحب هذا القبر، وقد ورثوا ذلك عن أبائهم، فهم منذ فتحوا أبصارهم على الدنيا وهم على هذا المشهد.

أم أصدق هؤلاء الذين يسفهون من يفعل ذلك، ويعترضون عليهم، ويقولون: إنكم -والله- لتعبدون حجارة وأوثان. ويقولون في ندائهم: أيها العقلاء، أتدرون حال هذا المقبور؟ أتستطيعون أن تقولوا لنا: أهذا الذي تزورونه وتتبركون به أهو في الجنة أم في النار؟ أتستطيعون أن تقولوا لنا: أهو متنعم في قبره أم هو معذب في قبره؟

فلقد أوقفني -أيها الحبيب- ذلك الأمر، وقلت: لماذا لا أعطي لنفسي الفرصة والوقت؛ لكي أفكر في الأمر من كل جوانبه، ولا أغلق عقلي، ولا ألغي تفكيري؟ وقد رأيت كما قص علينا الله -تعالى- حال هؤلاء الذين كفروا بربهم كنتيجة لاتباعهم عادات الآباء دون الوقوف على صحة هذه العادات أو خطئها، ولقد رأيتهم وهم يقدمون العادات الموروثة عن الآباء، ويردون بها كتاب ربهم وهدي نبيهم.

وقلت -عند ذلك، وكأنني أحكم في هذه القضية، وكأنها مسألة عرضت علي من طرفين متخاصمين-: كل منهم يدعي أن الحق معه، والمطلوب مني أن أفصل في هذه القضية، وهذا النزاع؛ لكي نصل مع من يكون الحق، وعجبت لماذا نرفض -دومًا- المناقشة؟، هل لأنني أخشى أن يكون الحق ليس معي؟ فلا أدري مما أخاف، وعجبت من نفسي كيف سيطر علي هذا الأمر، وأنا المعروف بين أقراني بالعقل السليم والتفكير السليم؟، وكيف أرضى لنفسي بإلغاء عقلي وتفكيري في هذه القضية؟!

فكان لابد من وقفة مع النفس نستعين من خلالها بالله -تعالى- أن يوفقنا لما يحبه هو -سبحانه- ويرضاه، ولا أكون -أبدًا- كمن يدس رأسه في التراب. كيف وقد منحنا الله -تعالى- العقول النيرة، وميزنا بها عن البهائم، فكيف نعطلها؟!

الصفحة التالية