الشباب والزينة
ياسر عبد التواب • شبابنا
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد بشّر النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- الشاب الذي ينشأ في طاعة الله -تعالى-، بالأمان في ظل عرش الرحمن الظليل، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .
ولا شك في أن الشباب هم المعـنيّون أكثر من غيرهم، بعدد من هؤلاء الأصناف، وفي هذا اهتمام كبير بالشباب، وحرص شديد على دينهم وأخلاقهم، ودنياهم وأخراهم...
وما تولية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، للشابّ الفتي أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-، قيادة جيش فيه كبار الصحابة، إلا دليل على رغبته -صلى الله عليه وسلم- في إعطاء الشباب حقهم، وعدم إهمال كفاءاتهم، وكان أسامة -رضي الله عنه- حينها، في العشرين من عمره، ولم يأبه النبي -صلى الله عليه وسلم- باعتراض الم عترضين ، على توليته قيادة الجيش لصغر سنه، بل أكّد أنه أهل للقيادة وكفء لها.
وفي عصرنا هذا نجد أن همة الكثيرين من شبابنا وفتياتنا قد فترت عن تلمس المعالي، وافتقرت إلى طلب العلو.
ففيه ينشغل كثير من الشباب -فتيانًا وفتيات- بالزينة، وما يسمى في العرف بالموضة .
فأصبحت حياتهم وهمتهم تدور حول اللباس والملابس، وغفلوا عن أن لباس التقوى من محبة الله -تعالى- وطاعته والالتزام بمنهجه فيها كل الخير قال -تعالى-: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (الأعراف:26) .
وقبل أن ندخل إلى بيان بعض ما يتعلق بهذا الأمر من الأدلة الشرعية نسأل شبابنا سؤالاً مهمًا... من يحدد لكم تلك الموضة؟ ومن أين تستقى؟
ولعل الجواب هو: بيوت الأزياء العالمية.
وهنا نعود إلى سؤال آخر: أترضى أن يعبث بك بعض أشخاص أيًّا كانوا -لاسيما أن أغلبهم من الكفار- فيلعبون بذوقك ويتحكمون في لبسك، الموضة اليوم أن تحلق شعر رأسك كله، وغدًا توفره كله، وبعد غد "كابوريا وبانكي"!
وثوبك الذي يجرجر في الأرض لتخالف توجيهات النبوة في ذلك غير مكترث ولا عابئ!
وهلم جرًّا... في الملابس بين ضيق يزعج، أو عار مكشوف، أو هو أشبه بلبس المتسولين من الخيش أو الجينس.
أين شخصيتك؟ أين أنت من كل هذا..!
مشروعية التزين:
قال القرطبي -رحمه الله- عند قول الله -تعالى-: " ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) (البقرة:228) ، قال ابن عباس: "إني لأتزين لامرأتي"، وقال العلماء: أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم، فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق –أي: بحسب ما يكون لائقًا-، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت، وزينة تليق بالشباب، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه، والشاب إذا فعل ذلك؛ سمج ومقت. لأن اللحية لم توفر بعد، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه؛ سمج، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه؛ زانه ذلك.
وروي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُعْفِي لِحْيَتِي وَأُحْفِي شَارِبِي ) (رواه ابن جرير ، وحسنه الألباني) ، وكذلك في شأن الكسوة، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق، فإنما يعمل على اللبق والوفاق عند امرأته في زينة تسرها، ويعفها عن غيره من الرجال.
وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به، فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن، وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع، والخضاب للشيوخ، والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة، وهو حلي الرجال...) (1) اهـ. كلام القرطبي " تفسير القرطبي ج 3 " .
هوى النفس:
لا صلاح للشباب؛ إذا لم يتغلب على هوى نفسه ويسيطر عليها ويربيها ويأخذ على يد نفسه، فيهذب أخلاقها ويروضها، وينضبط بضابط الشرع فيما يقول ويسمع، وفيما يأكل ويلبس.
ولقد بشر الله -عز وجل- كل من تغلب على رغائب نفسه ونزعات رغباتها بأنه الفائز يوم القيامة بجنة المأوى: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الجنة هي المأوى ) (النازعـات:40) .
قال العلماء: خوف الله متلازم مع قمع شهوات النفس.
سُئل أحد الصالحين: "ما الذي أهاجك على العبادة؟ فقال: علمت أن رزقي لن يأكله غيري؛ فاطمئن قلبي، وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري؛ فاشتغلت به، وعلمت أن الله مطلع عليّ؛ فاستحييت منه، وعلمت أن الموت حق؛ فاستعددت له".
فتى الموضة!
قلنا أن كثيرين من فتياننا انشغلوا بأمر المظهر ونسوا الجوهر، بل توهم بعضهم أن الرجولة في رفض القديم أيًّا كان، وأن يفعل كل ما يحلوا له، فيقلد كل من يعجب بهم من الممثلين والساقطين وغيرهم.
فأصبحت المظاهر التافهة كالسيارة والسيجارة واللباس "الكاشف"، وقصة الشعر وتصفيفه كالنساء، أو حلق بعضه وترك بعضه مع ما في أكثر تلك الأشياء من محظورات ومخالفات شرعية، كل ذلك همه الوحيد ومقياسه الذي يقيس به الناس، وربما عقولهم ومحبتهم أيضاً!
