شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الشباب والزينة

ياسر عبد التواب • شبابنا

- ألا يخالف أمرًا شرعيًّا، كما يفعل البعض في قصات للشعر يكون فيها حلق لبعضه وترك لبعضه، وهو ما يسمى في الشرع بـ"القَزَع"، وهو منهي عنه، أو إسبال الملابس للرجال، أو تغيير صورة الحجاب عن الوضع الشرعي كما تفعل بعض الفتيات في تقاليع الحجاب.

- ألا يكون فجًّا في ذوقه بحيث يصبح لباس شهرة يشتهر به بين الناس لا يلبسه غيره، وقديمًا نهى العلماء تلاميذهم عن لباس يعرفون بالزهد بسببه -كالصوف والمرقعات-، فما بالكم بلباس قد يعرف صاحبه بالفجور بسببه، أو يكون مكتوبًا عليه عبارات بلغة أجنبية تدعو إلى الرذائل والفواحش.

- ألا يتكبر به على خلق الله -تعالى-، بل ليكن متواضعًا شاكرًا حامدًا لله -تعالى-.

بهذه الضوابط -وما ذكرناه من الابتعاد عن الموضة- يمكن للفتى والفتاة أن يرتدي ما يشاء من ملابس.

الكــــــــبر:

الحديث عن الكبر يرتبط ارتباطًا كبيرًا بسلوك الإنسان ولباسه - ولاسيما الشباب - فيما يتعلق بتعاملهم مع الناس، سواء بقياسهم أحوالهم وفق ما يرتدون من ملابس فيقدرونهم أو يذمونهم إن خالفت أو وافقت ملابسهم أهواء أولئك الشباب، أو بسخريتهم من بعض الناس إن بدا منهم ضعفًا عقليًّا أو غفلة عن أشياء انتبه إليها أولئك الشباب فبدلاً من أن يحمدوا الله - تعالى - على نعمه ويرحموا الضعاف - في العقول أو الأبدان أو الفقراء-؛ إذا بهم يتكبرون عليهم بنعم الله التي منحهم إياها ولو شاء -سبحانه- لمنعهم منها.

وهم لا يدركون أن مرحلة الشباب هي قوة بين ضعفين، فسيأتيه الضعف لا محالة؛ ليجد بعد ذلك من يسخر منه حال ضعفه؛ إن لم يتب ويبادر بالعودة إلى الله - تعالى - والإحسان إلى خلق الله.

قال سفيان في قوله -تعالى-: ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ ) (يسن:68) ، إذا بلغ ثمانين سنة؛ تغير جسمه، وضعفت قوته، قال الشاعر:

من عاش أخلقت الأيام جدته وخانه ثقتاه: السمع والبصر

فطول العمر يصير الشباب هرمًا، والقوة ضعفًا، والزيادة نقصًا، وهذا هو الغالب، وقد تعوذ -صلى الله عليه وسلم- من أن يرد إلى أرذل العمر .

عن هذا الكبر عبر -عليه السلام- بقوله: ( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ: بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (رواه مسلم) ، ومعنى ( بَطَرُ الْحَقِّ ): تسفيهه وإبطاله. ( وَغَمْطُ النَّاسِ ): الاحتقار لهم والازدراء بهم، ويروى: "وغمص" بالصاد المهملة، والمعنى واحد.

فليس من الكبر الاعتناء بالجمال؛ ما دام لم يتخط حد الاعتدال من غير سرف ولا كبر .

ولذلك؛ فقد قال -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (الأعراف:32) .

فقوله -تعالى-: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ ) بين أن بعض الناس حرَّموا من تلقاء أنفسهم ما لم يحرمه الله عليهم. والزينة هنا: الملبس الحسن، إذا قدر عليه صاحبه. وقيل: جميع الثياب، كما روي عن عمر: إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا.

وروي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب شيخ مالك -رضي الله عنهم- أنه كان يلبس كساء خز بخمسين دينارًا، يلبسه في الشتاء، فإذا كان في الصيف تصدق به، أو باعه فتصدق بثمنه، وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع بمصر ممشقين ويقول: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ) .

وإذا كان هذا فقد دلت الآية على لباس الرفيع من الثياب، والتجمل بها في الجمع والأعياد، وعند لقاء الناس ومزاورة الإخوان، قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا؛ تجملوا، وفي "صحيح مسلم" من حديث عمر بن الخطاب أنه رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا لِلنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ ).

فما أنكر عليه ذكر التجمل، وإنما أنكر عليه كونها سيراء أي: من الحرير.

وقد اشترى تميم الداري حلة بألف درهم كان يصلي فيها. وكان مالك بن دينار يلبس الثياب العدنية الجياد، وكان ثوب أحمد بن حنبل يشترى بنحو الدينار.

أين هذا ممن يرغب عنه ويؤثر لباس الخشن من الكتان والصوف من الثياب ممن يدعي الزهد أو المتصوفة الذين ابتلوا بتضييع أعمارهم في مثل ذلك التزهد، ويقول: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) (الأعراف:26) ، هيهات!! أترى من ذكرنا تركوا لباس التقوى، لا والله! بل هم أهل التقوى وأولو المعرفة والنهى، وغيرهم أهل دعوى، وقلوبهم خالية من التقوى.

قال خالد بن شوذب: "شهدت الحسن وأتاه فرقد، فأخذه الحسن بكسائه فمده إليه وقال: يا فريقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر وصدقه العمل" " ت فسير القرطبي ج7 لدى تفسيره لآية: ( قل من حرم زينة الله ) بتصرف يسير - وانظر "تلبيس إبليس" لابن الجوزي " .

الصفحة السابقة