الشباب والزينة
ياسر عبد التواب • شبابنا
ومما يدمي قلب الحر المؤمن الغيور: ما نشاهده في هذا الزمان من تبرج النساء، والفتيات، وخروجهن متبذلات، كاسيات عاريات، مائلات مميلات، عاريات الشعور والظهور، من غير حياء ولا مبالاة، حتى صرن أكثر تبذلاً، وانحلالاً من أهل الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، وإثم ذلك راجع إليهن أولاً، وإلى أولياء أمورهن ثانيًا من الأزواج والآباء، والأخوة.
وصدق رَسُول اللَّه -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم-إذ يقول: ( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ) ، وهذا الحديث من دلائل النبوة حيث أن رَسُول اللَّه -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم- قد حدث عما يحدث في المستقبل، وأخبر عن المغيبات التي حصلت بعد حياته -صَلَوَات اللَّهِ وسَلاَمهُ عَلَيْه- بتسعين وثلاثمائة وألف عام.
الشباب والحياء:
لقد علم النبي أصحابه الحياء كما في الحديث عن ابن مسعود مرفوعًا: ( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ )، قَالَ: قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَسْتَحْيِى وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ ( لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ؛ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ) (رواه الترمذي وحسنه الألباني) .
فينبغي للشباب فتيانًا وفتيات أن يتخلقوا بخلق الحياء فيما يتعلق باللباس: فيبتعدوا عن كشف العورات ويجتنبوا الملابس غير اللائقة التي تفصل الجسم، أو تشبه لباس الكفار، أو تلفت النظر فيصير لبس شهرة -كما سنفصل بعد قليل-.
والحياء خلق يجب أن يفعله الجميع فهو لا يأتي إلا بخير، وهو للرجال والنساء، ولا يناقض الرجولة في شيء، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أشد الناس حياء، ففيما يتعلق بالرجل يجب أن يمنعه حياؤه من أن يكشف عورته، ففي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن بهز بن حكيم، قال حدثني أبي عن جدي قال: قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِى مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ: ( احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ )، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، قَالَ ( إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَاهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا ). قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِىَّ اللَّهِ إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ: ( فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَسْتَحْيِىَ مِنْهُ النَّاس ) (حسنه الألباني) .
ومن أكبر صور الحياء: محافظة المرأة المسلمة على كرامتها وحشمتها، ومراقبة ربها، وحفظ حق زوجها، والبعد عن مسالك الريبة ومواطن الرذيلة؛ لئلا يغيض ماء الحياء ويذهب بالعفاف والبهاء، قال -تعالى- واصفًا حياء المرأة الصالحة التي سقى لها موسى -عليه السلام-: ( فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (القصص:25) ، ( تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ) أي: جعل الحياء بساطًا وهي تسير عليه من فرط خجلها.
لقد أصبح الحياء الذي كان رمز ً ا للفضيلة ويضفي على جمال المرأة جمالاً أصبح تهمة بالتأخر والرجعية في زمن التقدم المكذوب والحضارة المزعومة.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا، فَقَدْ هَتَكَتْ مَا بَيْنَهَا، وَبَيْنَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .
عدم استيعاب المعنى الصحيح للحرية:
في زماننا يقع الشباب بمقتضى مفهوم "الحرية" الذي اقتحم عقولهم تحت تأثير توجيه متعارض، متضارب، متناقض، ينتهي بهم إلى الضياع والفراغ، فهم يقرءون في الكتب والمنشورات، ويسمعون ويشاهدون بأجهزة الإعلام، المرئية والمسموعة، جميع المتعارضات من الأفكار، فيطرح عليهم: عقائد الإيمان، وأقاويل الإلحاد والزندقة، من دون بتّ ولا فصل، وتلقى عليهم المعلومات مجترأة مبتورة، أو مشوهة مغشوشة، وتحت ستار من الموضوعية الباردة!
وأيضًا يجدون فيما يتعلق بالزينة واللباس كل غث وخواء؛ وكل مخالف للشرع في اللباس سواء من ناحية كشف العورات أو من باب التشبه بالكفار، وهو ما تذخر به الكثرة من المجلات والكتابات والمرئيات .
ولقد طُرح سؤال مؤخرًا على جماعة من الفتيان والفتيات حول معنى "الحرية" ومفهومها في استفتاء عام في إحدى الإذاعات، فاجتمعت كلمتهم على أن "الحرية" معناها أن يصنع الإنسان ما يحلو له دون قيد ولا ضابط ولا شرط، وليس لديهم أية خلفية صحيحة عن المقصد الإلهي والغاية الربانية التي من أجلها خلق الله العباد، وأن الإنسان مناط إليه مجموعة من التكاليف التي ليس له الخروج عنها أو مخالفتها وهو مفهوم العبادة التي من أجلها خلق الله الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب .
وفيما يتعلق بموضوع الزينة والتزين لابد للمسلمين أن يعرفوا أن هناك ضوابط ًا وحدودًا وضعها الإسلام لذلك، وذلك ما سنبينه في الفقرة التالية:
الضوابط الشرعية للباس والزينة:
هكذا -كما وصفنا- تلعب بنا الموضة في كثير من أحوالنا، في ملابسنا وفرشنا، وحتى طرق بنائنا ولون حجرات نومنا. ولئن كان بعض ذلك لا حرج فيه -كما سنبين- فإن البعض الآخر مذموم منتقد، وضابط ذلك:
- أن لا يكون في اللبس كشف للعورة أو تجسيد لها، وذلك عام للرجال أو النساء.
- ألا يشبه زي الكفار الذي هو من دينهم، ولا حرج من لباس يستر العورة ليس من ملابسهم الدينية.
