شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في حجة الوداع (17)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن أمور الجاهلية التي نهى عنها النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومِن أمور الجاهلية التي وَضَعَها النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأبْطَلَها في خطبته في حَجَّة الوَدَاع: الأربعة المذكورة في حديث أبي مالك الأشعري في صحيح مُسْلِمٍ: ( أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ : الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ ) وَقَالَ: ( النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ ) (رواه مسلم) . أي: تلبس ثوبًا مِن جَرَب؛ تَحُكُّ جَسَدَها بسبب النِّيَاحَة.

وهذا الحديث يدل على أن مِن خصال الجاهلية ما يُجامِع أصلَ الإسلام؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبر أن هذه الأمور الأربعة في أُمَّتِه، وأن الأُمَّة لن تتركها، أي: ستظل طائفة منها تفعلها وهي ضمن الأمة، وإن كان بعض هذه الخصال قد يوجد فيه أنواعٌ تُنَاقِضُ أصلَ الإيمان، كما سيأتي بيانه في الاستسقاء بالنجوم، وكذا في الفخر بالأحساب؛ إلا أن الأغلب الأعم منها هو مِن المعاصي والذنوب، وبعضها مِن الكبائر، ثم إن ما كان مِن جاهلية الكفر الأكبر منها فانتسابُ فَاعِلها إلى الأُمَّة هو باعتبار حَالِه السابق على فعله ذلك قبْل خروجه مِن المِلَّة، أو باعتبار استمرار انتسابه للأُمَّة رغم فعله وقوله واعتقاده الكفر نفاقًا وزندقة، كما قال -تعالى- عن المنافقين: ( فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا . وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (النساء:88-89) ؛ فوَصَفَهم بالكُفر وأَمَر بقتالهم ونهى عن الاختلاف فيهم؛ وذلك لأنهم أظهروا نِفاقَهم الأكبر والكفر الأكبر، وظَلُّوا ينتسبون إلى الإسلام مع ذلك؛ فصَحَّ أنهم منافقون، وأنهم قد كفروا.

لكن يَظَلُّ الأغلب الأعم في هذا الحديث: أن هذه الأمور مِن جنس المعاصي والذنوب، وليست تُخْرِج من المِلَّة، وهذا مِن أهم الردود على مَن يَستغل لفظَ الجاهلية بمعنى الكُفر دائمًا، ويصف المجتمع بأنه جاهلي لوجود بعض صفات الجاهلية، ويُعامِل أهلَه مُعامَلة الكفار، أو يتوقف فيهم فلا يحكم لهم بإسلام ولا كفر؛ مما ترتب عليه ما هو مِن أعظم أمور الفتن.

ومعنى الفخر بالأحساب المذكور في الحديث: ذكر مآثر الآباء والأجداد، والتعالي بذلك على الناس، كمَن يفتخر بأن أجداده كانوا يُطْعِمون الطعام، أو كانوا سَدَنة البيت، أو كانوا سَدَنة الأوثان، وفي زماننا هناك مَن يَفتخر بالفَرَاعِنَة، بل بعضهم يقول: "لو تَعارَضَت الفِرْعَوْنِيَّة مع الإسلامية قَدَّمْنَا الفرعونية!"، وهذا نفاقٌ أكبرٌ بَيِّنٌ -والعياذ بالله-، وهذا مما يدخل في قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَعْضُوهُ بِهِنَّ أَبِيهِ، وَلا تُكَنُّوا ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني) . أي: يجعلهم الله أهون عليه مِن الخنافس والحشرات التي تدفع بأنفها النجاسات؛ والناس قد فَطَرَهم اللهُ على أن لا يَعبأوا بهذه الحشرات في قَتْلِها وإزالتها لِهَوَانِها.

والمعتاد في مثل هذا الأمر أن يكون صاحبُه إنما يفتخر بأفعال الآباء والأجداد مِن الكفار -كنحو العمارة والبناء وبعض صور الحضارة- دون أن يُصَوِّب مِلَّتَهم؛ فأما مَن صَوَّب مِلَّتَهم -كمَن قال: "نُقَدِّم الفرعونية على الإسلام!"، ويرى أن حضارتهم أعظم مِن حضارة الإسلام وما جاء به!-؛ فهذا كُفرٌ، وكما كان بعضُ المنافقين يفتخرُ في أشعارٍ قالها المشركون في جاهليتهم قبل أن يُسْلِموا مفتخرين بما فعلوه يوم أُحُد، فافتخر به البعضُ لَمَّا وَقع ما وَقع في يوم الحَرَّة -روي ذلك وإن لم يثبت والله أعلم-، كمن تَفَاخَر بقول عبد الله بن الزِّبَعْرَى:

لَـيـْت أَشْيَاخِـي بِـبَـدْرٍ شَهـِـدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْـعِ الْأَسَـلْ

حِـيـنَ حـَكـَّـتْ بـِقُبـَـاءٍ بَـرْكـَهَـا وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَـبْدِ الأَشـَلْ

ثمّ خـفّـوا عِــنـْـد ذَاكُـمْ رُقَّصـًـا رَقصَ الْحَفَّانِ يَعْلـُو فِي الْجَبَـلْ

فَقَتَلْنَا الضِّعْــفَ مِنْ أَشْـرَافِهِـمْ وَعـَـدَلْنَا مَيـْـلَ بَـدْرٍ فـَاعْــتَــدَلْ

فمَن افتخر بمثل هذا الشعر -إن صَحَّ افتخاره به- بما جرى مِن قَتْل الأنصار يوم الحَرَّة فهو أيضًا -والعياذ بالله- مِن الكفر؛ فإنه يُصَوِّب ما فعله أجدادُه الكفار، لكن ما يقع مِن المسلمين في ذلك فهو دائمًا مِن جنس المعاصي والذنوب حين يذكرون الاستعلاء بفضائل آبائهم وأجدادهم دون عملهم، وذلك مخالف لقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ) (رواه مسلم) .

الصفحة التالية