تأملات في حجة الوداع (17)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وأما الطعن في الأنساب فإنه منتشر انتشارًا شديدًا في الجاهلية، وكذلك في الإسلام، حين يَطعن الإنسان في نَسَب من يُخاصِمهم ويَنتقصهم، وأشد ذلك أن يتهمهم بالزنا والفاحشة؛ مثل مَن يقولون: "فلان ابن حرام!"، وصار هذا في زماننا أمرًا مَعهودًا عند الفُسَّاق، وربما قَصَد بعضُهم مَهَارَتَه في فَنٍّ مُعَيَّن فيقول: إنه "ابن حرام!"، مِن كَثْرَة ما تَعَوَّدوا عليه في شتائمهم وسِبابهم، وقد وَصَل بالبعض أن يُحَيّي بعضُهم بعضًا في أول النهار بِسَبِّ أُمِّه وأبيه، فيقول: يا ابن فلانة الزانية، وهم يَتَضَاحَكون! مما يُوجِب بذلك حَدَّ القذف، إلا أن يأتي بأربعة مِن الشهود العُدُول يشهدون بأنها قد زَنَت أمام أعينهم، وأنَّى له بذلك! ربما كانت أُمُّه قد ماتت ومات أبوه! نعوذ بالله مِن ذلك.
ومِن الطعن في الأنساب: تَبَرُّؤ بعض الآباء مِن نَسَب أبنائهم ونفيهم لمجرد الشك، أو لمجرد وجود شَبَهٍ مُخَالِف، كما كان أهل الجاهلية يطعنون في نسب أسامة بن زيد مِن أبيه؛ لأن أسامة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان شديد السواد، وأباه زيد بن حارثة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان أبيضَ، وقد بَيَّنَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثل ذلك لرجلٍ جاء يُعَرِّض بنفي وَلَدِه لاختلاف لونه، كما روى أبو هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- : أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ! فَقَالَ: ( هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( مَا أَلْوَانُهَا؟ ) قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: ( هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ) قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( فَأَنَّى ذَلِكَ؟ ) قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ؛ قَالَ: ( فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ ) (متفق عليه) . أي كان في بعض الأجداد هذا اللون، فأَثَّر على هذا الولد.
وأما الاستسقاء بالأنواء -وهي النجوم، جمع نَوْء، والنَّوْء هو النجم-: فقد كان مِن اعتقادات أهل الجاهلية أن النجوم هي التي تُنزل المطر، وما زال في مجتمعاتٍ كثيرةٍ مِن الوثنيين مِن البوذيين والكونفوشيوس والمشركين الوثنيين يقولون: "هذا عام النجم الفلاني!"، وينسبون نزول الأمطار إلى الكواكب، وكذا كان هذا في الهندوس واليونان القدماء والرومان والفراعنة، والمشركون مِن قريش أخذوا وضاهوا هؤلاء؛ فكان الاستسقاء بالأنواء والنجوم على ذلك.
فمن اعتقد أن النجم يُنزل المطر ويُنشِئه -مع الله، أو مِن دون الله- فهو شرك أكبر؛ فمَن قال: "مُطِرنا بنوء كذا وكذا" معتقدًا هذا الاعتقاد فهو كافرٌ بالله، مؤمنٌ بالكوكب، وكفره كفرٌ أكبر، كما في الصحيح عن زيد بن خالد الجهني -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ( هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ؛ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ) (متفق عليه) .
وأما مَن اعتقد أن الله جعل النجم سببًا لنزول المطر -فهو يؤثِّر بإذن الله، وأن الله هو الذي ينزل المطر، لكن جعل النجم سببًا- فهذا شركٌ أصغر؛ لأنه كَذِبٌ على الشرع وعلى القدر، وكل مسائل الأسباب كذلك؛ لابد أن يكون السبب إما شرعيًّا بدليلٍ مِن الشرع، أو كونيًّا دَلَّت عليه السُّنة الكونية التي يَعرفها المؤمن والكافر، والبَرُّ والفَاجِر بالتجربة، فأما إذا لم يُعرف ذلك؛ فادِّعاء أن شيئًا ما سببٌ لشيءٍ آخر دون دليلٍ كذبٌ على الشرع وعلى القدر، وهو ذريعة إلى الشرك، ومشابهةٌ لأهل الشرك في ألفاظهم، ويكون شركًا أصغر.
وأما مَن اعتقد أن الله يُنزل المَطَر لكن النَّوْء علامة؛ فهو ليس سببًا، ولكن جَرَت العادةُ بأنه عند ظهور النجم الفلاني يَنزل المطر، ومِن هذا ما يسميه الناس في أزماننا: "النَّوَّات"؛ فإنما يقول أكثرُهم إن ذلك عادةٌ جَرَت؛ لأنه في التاريخ الفلاني -وقد غاب عن الناس علم النجوم، لكن التاريخ صار محفوظًا- يقولون هذا نوء كذا، فقد قال بعضُ أهل العلم إن هذا مكروهٌ كراهةَ تنزيهٍ، وقال بعضُهم مكروه كراهة تحريمٍ، وهو الراجح.
وأما إذا قصد بالنوء الرياح وسَمَّاها بأسماء مُعَيَّنة دون قصدٍ، ولم يسمِ النَّوْء؛ فمثل هذا لا يظهر تحريمه.
فالاستسقاء بالأنواء على ثلاث مراتب:
- المرتبة الأولى: مرتبة الشِّرْك الأكبر، وهو أن يعتقد أنها تُنشِئ المطر وتُنزله -مِن دون الله مِن قِبَل نفسها أو مع الله-، أو يدعوها -أي: النجوم- لتُنزل ذلك؛ فهذا مُخْرِجٌ مِن المِلَّة.
- المرتبة الثانية: أن يعتقد أنها سببٌ -جعلها الله كذلك-؛ فهذا شِركٌ أصغر، وكَذِبٌ على الشرع والقَدَر.
- المرتبة الثالثة: وهي المُخْتَلَف في حكمها، أنه إذا قال: "مُطِرنا بِنَوْءِ كذا وكذا" على سبيل العلامة والتوقيت والعادة؛ فبعض أهل العلم قال إنه مكروهٌ تحريمًا، وبعضهم قال تنزيهًا، والصحيح التحريم.