تأملات في حجة الوداع (17)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
أما النِّيَاحَة فهي: الصياح على الميت بتعديد مَنَاقِبه وآثاره، والدعاء بالويل والثُّبور عند فَقْدِه، كمَن تقول: "يا ويلي، يا خرابي، يا لهفي، يا أسدي، يا كَسْبِي، مَن لنا بعدك؟ وإلى مَن تتركنا؟ مع الصياح والبكاء ورفع الصوت، والتَّكَلُّم بالكلام المنكر عند الموت؛ وكل هذا مِن النياحة المُحَرَّمة، بل هي كبيرةٌ مِن الكبائر؛ لأن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ ) (رواه مسلم) ، والقَطِران يَزداد اشتعالًا في النار، والجَرَب يَحُكُّ جسمها كما لَطَمَت خَدَّها وشَقَّت جَيْبَها، والنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) (متفق عليه) ، كالألفاظ التي سبقت.
وأما البكاء المُجَرَّد -بِدَمْع العين مع حزن القلب- دون تَلَفُّظٍ بألفاظٍ مُنْكَرَة، ولا أفعال مُنْكَرَة ولا صِيَاحٍ؛ فليس مُحَرَّمًا، بل هو مِن الرَّحمة التي جَعَلَها اللهُ في قلوب عِبَادِه، كما قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ) (متفق عليه) ، قاله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عند موت ابنه إبراهيم.
وأما إذا تَكَلَّمَت النائحةُ -أو غيرُها- بالكُفْرِ أثناءَ النِّيَاحَة والصِّيَاح مما فيه سبٌ لقَدَرِ الله واعتراض عليه، أو يسبون الله الذي فعل ذلك، أو يتهمونه بالظلم -سبحانه-؛ فإذا تلفظوا بذلك؛ فهذا كفرٌ ناقلٌ عن المِلَّة.
نسأل الله أن يُعِيذَ المسلمينَ ويُنَجِّيهِم مِن الجَاهِلِيَّةِ كُلِّها.