دروس مِن قصة الثلاثة الذين خلفوا (4) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
خطر المنافقين على مجتمعات المسلمين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- تكرير التذكير على فضل القصة وكثرة الدروس والفوائد المستفادة منها، وأثرها على قلوب الصالحين.
- ذكر الشاهد مِن القصة لدرس اليوم: قال كعب -رضي الله عنه-: " فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لاَ أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ " (متفق عليه) .
- المؤمن لا يرضى أن يكون مع هذا الصنف الخبيث: قال الله فيهم: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ) (المائدة:41) .
أولًا: موقفهم مِن الخروج إلى تبوك:
1- أقاموا قبْل الغزوة بقليلٍ مسجد الضرار؛ لإحاكة المؤامرات والدسائس للمسلمين: قال الله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ . أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:107-110) .
2- حاولوا تثبيط الناس عن الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بحجة شدة الحر: قال -تعالى-: ( فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ? قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) (التوبة:81) .
3- حاولوا بث الفتنة أثناء التجهيز بخصوص غنائم حنين، وذلك بلمز النبي -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- بأنه يحابى قومه: قال -تعالى-: ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (التوبة:58) .
4- الإرجاف والتخويف في الناس والتهويل مِن شأن العدو: قال بعضهم لبعض المسلمين: "أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا، والله لكأنا بكم غدًا مقرنين في الحبال !"، فأنزل الله: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ) (التوبة:64) .
5- الهروب والتخلف والاعتذار بالحجج الكاذبة أو الواهية: قال الله -تعالى-: ( لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) (التوبة:42)، وقال: ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (التوبة:49) .
ثانيًا: لماذا هم الأخطر على المسلمين؟!
- للمسلمين أعداء كثر، ولكن المنافقين أشدهم وأخطرهم: قال -تعالى-: ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (المنافقون:4) .
- سبب اختصاصهم بأشد العداوة للمسلمين مِن وجوه:
1- حرب الكفار علينا أيام، وحرب المنافقين على الدوام؛ لأنهم يعيشون بيننا.
2- حرب الكفار علينا معلنة، فيتحفز المسلم ويأخذ حذره، وحرب المنافقين في الغالب مستمرة، وهي أشر.
3- الكفار لا يطلعون على عوراتنا ونقاط ضعفنا، بخلاف المنافقين.
4- وأعظم ذلك كثرة حديث القرآن عنهم تحذيرًا مِن شرهم وعظيم خطرهم: (سورة التوبة 129 آية منها 100 آية تتحدث عن صفات المنافقين؛ ولذا سميت الفاضحة - افتتحت سورة البقرة في صدر المصحف بالكلام عن أصناف العالم الثلاثة في نحو عشرين آية، فكان نصيب المؤمنين أربع آيات، والكافرين آيتان، والمنافقين ثلاثة عشر آية - 340 آية مِن الآيات الطوال في القرآن تتحدث عن المنافقين - 17 سورة مدنية من 30 تتحدث عن المنافقين).
وقفة مهمة: كل ذلك وهم يومئذٍ ثلاثة في الألف في مجتمع المسلمين! قال كعب: "وكانوا بضع وثمانين رجلاً"؛ فكيف وقد صاروا كثرة في مجتمعات المسلمين بعد ذلك؟!
سمع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين! فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقكم مِن قلة السالك!".
وقال -رضي الله عنه-: " الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-! فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْلِنُونَ "، وقال مالك -رحمه الله-: " النفاق في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الزندقة في زماننا " (مدارج السالكين لابن القيم، 1/ 313) .
ثالثًا: مِن صفات المنافقين: