شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"

الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقديمًا كان خصوم السلفيين يحبون أن يصفوهم بوصف "الحنابلة" إذ إنهم وإن نسبوهم إلى إمامٍ كتبَ الله له الذكر الحسن والثناء الجميل في الأمة؛ إلا أنهم بذلك توصلوا إلى الادعاء بأن المنهج السلفي يدافع عن اجتهادات إمامٍ مسبوق بأئمةٍ غيره.

وفي الحقيقة: إن المنهج السلفي يدافع عن إجماع الصحابة والتابعين، وعن مجمل إنتاج هؤلاء الأئمة دون أن يقدِّس أيًّا منهم، وإنما ينادي بالتزام قول السلف متى أجمعوا على شيءٍ، وإلى الالتزام بالقدر المشترك بيْن أقوالهم فيما اختلفوا فيه.

ثم جاءت الفرصة لخصوم المنهج السلفي أن ينزلوا به رتبة على إثر الحركة الإصلاحية السلفية الشاملة التي قام بها شيخ الإسلام ابن تيمية (661/ 728هـ - 1263/ 1328م) -رحمه الله-، والتي لا زالت الأمة -وعلى رأسها: خصوم ابن تيمية- تستفيد مِن آثارها المباركة، والتي كان لها -بفضل الله- أكبر الأثر في أن تستفيق الأمة بعد كبوةٍ عسكريةٍ وفكريةٍ قاصمةٍ؛ فبدا لخصوم السلفية أن ينسبوها لابن تيمية بدلًا مِن الإمام أحمد (164/ 241هـ - 780/ 855م) -رحمهما الله-، ثم أعادوا الكرَّة مع ظهور حركة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (1115/ 1206هـ - 1703/ 1792م) -رحمه الله-، ولا سيما وقد نُسبت إلى دعوته أمور تحتاج إلى تمحيصٍ وتنقيحٍ، ولا غضاضة في ذلك؛ فمِن أهم قواعد المنهج السلفي تلك المقولة الرائعة للإمام مالك -رحمه الله-: "كلٌّ يُؤخذ مِن قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم-، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم ما يوجَّه إلى تلك الدعوة مِن نقدٍ إنما يتوجه إلى بعض المتأخرين في تلك الدعوة، بخلاف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نفسه الذي كان كلامه في التبرؤ مِن تكفير جهال المسلمين حتى مَن يتلبس منهم بكفرٍ واضحًا وصريحًا.

الحاصل: أن خصوم السلفية وجدوا بغيتهم في استعمال وصف "الوهابية" لكل مسألة لا تروق لهم، فما مِن مسألة يختلفون فيها مع المنهج السلفي إلا ونسبوها للوهابية، ثم يسوقون تهمًا طويلة خارجة عن سياق الموضوع محل البحث ليتكلموا عن الوهابية، وعن الخلاف بينها وبيْن الدولة العثمانية (مع الأخذ في الاعتبار أن بعض مَن يقول هذا يناصِب الدولة العثمانية ذاتها العداء!)، ثم عن البترول السعودي وأثره في انتشار الوهابية (مع أن كثيرًا ممَن يردد هذا يتكلم عن الروابط التاريخية بيْن مصر والمملكة العربية السعودية)، وهكذا فيكون لسان حالهم ولسان مقالهم: "حسبك مِن شرٍّ أن هذا القول قالت به الوهابية!".

ثم جاءت "داعش" لتكون "مطية" لكل مختلف مع السلفية، مع أن الدواعش يكفِّرون السلفيين!

وهذه المطية يستعملها الغرب في الطعن في الإسلام على أساس أن داعش هي نموذج "الدولة الإسلامية!" -كما تدَّعي-، ويصِّرون على استعمال اسم: "الدولة الإسلامية" في التعبير عن هذا التنظيم؛ رغم أن له اسمًا مختصرًا؛ لتأكيد هذا المعنى عند السامع، ويستعملها العالمانيون في مهاجمة كتب السُّنة، وفقه الأئمة، وشرائع الإسلام، فالبخاري (194/ 256هـ - 810/ 870م) ومسلم (204/ 261هـ - 820/ 875م)، وأبو حنيفة (80هـ/ 150هـ - 699/ 767م)، ومالك (93/ 179هـ - 712/ 795م)، والشافعي (150/ 204هـ - 767/ 820م)، وأحمد، وابن تيمية (بالطبع)؛ كلهم مسؤولون أمام هؤلاء العالمانيين عن فكر "داعش".

والنقاب، بل الحجاب ذاته داعشي، واللحية داعشية، وهكذا... فلا يحاورك أحد في أي مسألة وإلا أرهبك فكريًّا؛ إما أن توافقه، وإما أن يصفك بالداعشية!

وربما أضاف بعضهم تهمًا أخرى مِن نوعية التهم المعلبة أيضًا، منها: تهمة أن السلفية تهتم بقضايا ثانوية، مثل: اللحية، والنقاب و...

ومَن يوجِّه تلك التهمة يجهل أو يتجاهل شمول المنهج السلفي لكل جوانب الدين، وأن هذا المنهج يضع كل مسألة في موضعها وفي حجمها، ولكن ماذا يصنع السلفيون حينما يأتي -وفي واقع الأمة الأليم هذا- مَن لا همَّ له إلا إصدار قانون بتجريم النقاب -مثلًا-: هل يعتبر هذا غلوًّا ممَن تصدى لهذا العدوان أم أنه رد فعل متوقع لا يصح غيره، حتى إن كانت المسألة المطروحة مِن المسائل التى يحلو للبعض أن يصفها بأنها شكلية أو ثانوية؟! وهل يا ترى لو صمتنا عن الهجمة على النقاب -مثلًا- ورضينا بأدنى ما يجزئ في قول أهل العلم وهو الحجاب سيتركوننا وشأننا أم سيسيل لعابهم لمزيدٍ مِن الهجوم والتنمر؟!

ومِن التهم التى توجَّه للسلفية: أن السلفية هي مدرسة الرأي الواحد، وأن السلفيين لا يتقبلون الخلاف، وأنهم لا يكتفون بالانتصار لما يرونه بالحجة والبرهان، بل يتعدون هذا إلى الاغتيال المعنوي للمخالِف، بل وتكفيره!

وليستْ هذه التهم بالمشكلة الكبرى؛ فالحديث حولها حديث مكرور اعتدنا عليه، ولكن المثير للعجب أن تجد أن المخالِف الذي رماك بكل هذه التهم متلبس بها، وبشكلٍ سافرٍ جدًّا!

ولعل هذا يتجلى بشكلٍ واضحٍ جدًّا في مسألة الاحتفال بالمولد النبوي؛ فهي مسألة متفق على كونها محدثة كما سيأتي مِن الإمامين: السيوطي وابن حجر -رحمهما الله-، وهما على الرغم مِن كونهما ممَن يقول بالمشروعية إلا أنه لم يسعهما إلا الاعتراف بأنها مسألة محدثة لم يفعلها السلف.

فإذا كان الإمام ابن حجر أو الإمام السيوطي -أو غيرهما- يظن أن ثمة دليل يُدخل تلك المسألة المحدثة في باب القربات وتبعهم على ذلك مَن تبعهم؛ أفلا يكون عناية معظم هؤلاء وإصرارهم على إقناع، بل إجبار مَن عمل بالأصل الذى كان عليه السلف إغراقًا مذمومًا في الجزئيات؟!

ثم ألا يكون الولاء والبراء على هذه المسألة "داعشية فكرية" و"اغتيالًا معنويًّا" للمخالِف؟! (نعم وصل بهم الحد إلى اعتبار المسألة مسألة ولاء وبراء، وربما أشد مِن ذلك!).

الصفحة التالية