"مناظرة مصرية" حول بدعية المولد قبل ظهور "الوهابية"
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بدع ومحدثات
ومِن أعجب ما يقابلك: أنهم يصوِّرون أن المولد يوم (أحدثه مَن أحدثه) قد تلقته الأمة بالقبول، بل ربما جازف بعضهم فعده إجماعًا؛ هذا مع أن جُل مَن قال بمشروعية المولد قد اعتمد على رسالة الإمام السيوطي (849هـ /1445م - 911هـ / 1505م) -رحمه الله وعفا عنه- المسماة بـ"حسن المقصد في عمل المولد"، وهي رسالة يقرِّر فيها مشروعية عمل المولد، ويناقش فيها الإمام الفاكهاني المالكي السكندري (654/ 734هـ - 1256/ 1334م) الذي قال بالبدعية؛ مما يعني أننا أمام "مناظرة مصرية" خالصة قبْل أن يولد الإمام محمد بن عبد الوهاب (1115/ 1206هـ - 1703/ 1792م) -رحمه الله- أصلًا!
بل ولا نظن أن لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أثرًا فيها؛ حيث إن الفاكهاني معاصِر لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولا يبدو أنه قد تأثر به أو أخذ عنه، وبالطبع فالعبرة في أية مناقشة بالحجة والبرهان، وليس بجنسية المحاور أو زمنه، ولكن ماذا نفعل في قومٍ يحيدون عن مقارعة الحجة بالحجة إلى مثل هذه الأمور؟! ولا شك أن إبراز مثل هذا السجال في الماضي يبيِّن أن الأمة لم تكن مجمعة على عمل المولد ثم جاءت الوهابية ففرَّقت جمعهم -كما يزعم الزاعمون!-، بل نستطيع -وبشهادة القائلين بالمشروعية أنفسهم- أن نقول: "إن الأمة كانت مجتمعة على عدم عمل المولد؛ إذ لم يكن قد أُحدث بعد، ثم لما أحدث اختلفوا فيه".
والإمام السيوطي -رحمه الله- يقرر أن المولد محدث، وينقل هذا أيضًا عن الإمام ابن حجر (773/ 852 هـ - 1372/ 1449م)، وعن ابن الحاج (773/ 852 هـ - 1372/ 1449 م) -رحمهما الله-، وإن كانا قد ألحقاه بالمشروع مِن باب أنه يشهد له دليل أو آخر -كما سيأتي بيانه بعد قليلٍ إن شاء الله-، ولكن الشاهد أن الأمة كانت مجتمعة على عدم فعل المولد؛ لأنه لم يكن ثمة مولد أصلًا، ثم لما أُحدث اختلفوا فيه.
ويُحسب للإمام السيوطي -رحمه الله- أنه أورد فتوى الإمام الفاكهاني كاملة ثم تعقبها، وسوف أورد فتوى الإمام الفاكهاني ثم أوجز تعقيبات الإمام السيوطي عليها، وأبيِّن وجه الرد عليها -بإذن الله- بقدر ما تستوعبه هذه المقالة.
فتوى الإمام الفاكهاني في بدعية عمل المولد المسماة
(المورد في الكلام على عمل المولد)
قال الفاكهاني -رحمه الله-: "الحمد لله الذي هدانا لاتباع سيد المرسلين، وأيدنا بالهداية إلى دعائم الدين، ويسر لنا اقتفاء أثر السلف الصالحين، حتى امتلأت قلوبنا بأنوار علم الشرع وقواطع الحق المبين، وطهَّر سرائرنا مِن حدث الحوادث والابتداع في الدين، أحمده على ما مَنَّ به مِن أنوار اليقين، وأشكره على ما أسداه مِن التمسُّك بالحبل المتين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، صلاة دائمة إلى يوم الدين.
أما بعد، فإنه تكرر سؤال جماعة مِن المباركين عن الاجتماع الذي يعمله بعض الناس في شهر ربيع الأول، ويسمونه المولد، هل له أصل في الشرع أو هو بدعة وحدث في الدين؟ وقصدوا الجواب عن ذلك مبيّنًا والإيضاح عنه معينًا.
فقلتُ -وبالله التوفيق-:
لا أعلم لهذا المولد أصلًا في كتابٍ ولا سنةٍ، ولا ينقل عمله عن أحدٍ مِن علماء الأمة؛ الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين ، بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون؛ بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة قلنا: إما أن يكون واجبًا أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا أو محرمًا، وليس بواجبٍ إجماعًا ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع مِن غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون المتدينون فيما علمتُ، وهذا جوابي عنه بيْن يدي الله -تعالى- إن عنه سُئِلت، ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين، فلم يبقَ إلا أن يكون مكروهًا أو حرامًا، وحينئذٍ يكون الكلام فيه في فصلين، والتفرقة بيْن حالين:
أحدهما: أن يعمله رجل مِن عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام ولا يقترفون شيئًا مِن الآثام، وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة؛ إذ لم يفعله أحدٌ مِن متقدمي أهل الطاعة؛ الذين هم فقهاء الإسلام، وعلماء الأنام، سرج الأزمنة وزين الأمكنة .
والثاني: أن تدخله الجناية وتقوى به العناية حتى يعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد مِن ألم الحيف، وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف؛ لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء مِن الغناء -مع البطون الملأى- بآلات الباطل مِن الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف، وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن، رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله -تعالى-: ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (الفجر:14) ، وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين مِن الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه مِن العبادات لا مِن الأمور المنكرات المحرمات، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ، ولله در شيخنا القشيري حيث يقول فيما أجازناه:
قـد عـرف الـمنـكر واستنـكـر المعروف في أيامـنا الصعبة
صــار أهـل العـلم فـي وهـدة وصار أهـل الجهـل في رتبة
فـقلـت للأبـرار أهــل الـتـقى والـديـن لما اشتـدت الـكـربة
لا تـنـكـروا أحوالكم قد أتـت نـوبـتـكـم فـي زمـن الـغــربة
ولقد أحسن الإمام أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخيرٍ ما تعجب مِن العجب، هذا مع أن الشهر الذي وُلد فيه -صلى الله عليه وسلم- وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح فيه بأولى مِن الحزن فيه، وهذا ما علينا أن نقول، ومِن الله -تعالى- نرجو حسن القبول" (انتهت فتوى الإمام الفاكهاني) .