مفاهيم عسكرية غيَّرتها حرب أكتوبر 1973م
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتعد حرب العاشر مِن رمضان 1373 هجريًّا -السادس مِن أكتوبر 1973 ميلاديًّا-، أكبر حرب تقليدية بيْن جيشين نظامين بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم أنها حرب تقليدية، لكنها غيَّرت الكثير مِن المفاهيم العسكرية في الكليات والمعاهد العسكرية في العالم؛ لما قام به الجيش المصري مِن تكتيكاتٍ وأساليب جديدةٍ في الحرب غيَّرت مِن المفاهيم العسكرية المتعارف عليها مِن قبْل، والتي استخدمتها القيادات العسكرية المصرية لأول مرة بهذه الكيفية مِن خلال الدراسات الجادة على الجبهة للتعامل مع العدو الإسرائيلي المتفوق عسكريًّا، ويحميه أكبر مانع مائي على طول خط المواجهة، ويتمتع بخط دفاعي طويل مِن التحصينات القوية والذي عرف باسم: (خط بارليف).
ونحاول في هذه العجالة أن نشير إلى بعضٍ مِن هذه الإضافات المصرية للمفاهيم العسكرية، والتي صارت تدرَّس للعسكريين في الكليات والمعاهد العسكرية في كل أنحاء العالم:
1- عنصر المفاجأة:
لا شك أن عنصر المفاجأة مِن العناصر الهامة في الحروب؛ إذ أن مباغتة العدو تعطي الفرصة للتقدم عليه مع بداية الحرب، والمحافظة على هذا التقدم يرفع مِن الروح المعنوية للمقاتلين، كما أن مباغتة العدو تقلل مِن الخسائر في الأفراد والمعدات، وفقد عنصر المفاجأة في الحرب يعطي الفرصة للعدو لصدِّ أي هجوم بالاستعداد له، بل وربما توجيه ضربة وقائية وإجهاضية للعدو، ولا يخفي أن العدو الإسرائيلي يعلم ذلك، ويملك مِن أجهزة الإنذار المبكر، ومِن وسائل الاستطلاع وأساليب التجسس، ومِن مصادر المعلومات المأخوذة مِن الأقمار الصناعية ومِن أجهزة المخابرات الحربية ما يجعله في مأمنٍ مِن أن يُباغت بمفاجأة إستراتيجية أو تعبوية أو تكتيكية ليس هو مستعدًا لها، ومع ذلك حقق المصريون العديد مِن عناصر المفاجأة غير المتوقعة في حرب أكتوبر.
أ- مفاجأة اختيار توقيت الحرب:
تقرر كل المراجع وقوانين الحروب، خاصة في وجود مانعٍ مائي وتحصيناتٍ دفاعيةٍ قوية، أن يكون أنسب أوقات الهجوم على العدو مع نهاية الليل وبداية النهار، أو مع آخر النهار وبداية الليل؛ ولهذا كانت معظم العمليات العسكرية المصرية خلال حرب الاستنزاف ليلًا، وفي يوم 6 أكتوبر جاء الهجوم المصري في منتصف النهار، في الساعة الثانية ظهرًا، وهو ما لم يتوقعه العدو بأي حالٍ مِن الأحوال.
ب- المفاجأة بالهجوم على طول خط المواجهة:
حيث بدأ المصريون الحرب بالهجوم على طول خط المواجهة الذي يمتد لحوالي 160 كم، وبكثافةٍ كبيرةٍ؛ إذ عبرت خمس فرق مشاة أقيمتْ لها عشر كباري على طول الجبهتين: الشمالية حيث الجيش الثاني الميداني، والجنوبية حيث الجيش الثالث الميداني.
ومِن الساعات الأولى للحرب اقتحم عشرات الألوف مِن المشاة المقاتلين القناة والساتر الترابي، وأحاطوا بتحصينات "خط بارليف" بتفوقٍ كبيرٍ في العدد على طول خط المواجهة بالكامل، ثم عبرت المدرعات والأسلحة الثقيلة والمزيد مِن قوات المشاة طوال الليل، والمعتاد في الحروب أن يكون الهجوم الرئيسي مركَّزًا على مواقع أو مناطق معينة لأهميتها أو لقوتها للبدء بها؛ لا على كل المواقع في وقتٍ واحدٍ، ومِن هنا لم يستطع العدو الإسرائيلي تحديد اتجاه الهجوم المصري الرئيسي، وبالتالي التحرك لصده؛ مما شتت القيادة الإسرائيلية مع بدء الحرب، خاصة مع تدمير مراكز القيادة ووسائل الاتصال الإسرائيلية أثناء الضربة الجوية الأولى، كما أربك التنسيق في اختيار وقت بدء المعركة مع الجبهة السورية القيادة الإسرائيلية حيث اضطرت إلى القتال على جبهتين متباعدتين في وقتٍ واحدٍ.
ج - المفاجأة بفتح الثغرات في الساتر الترابي بسرعة:
أقام الإسرائيليون ساترًا ترابيًّا مرتفعًا، بأكثر مِن 20 مترًا، وبميل يصعب جدًّا تسلقه، بأكثر مِن 80 درجة، وبضخامة غير عادية، تعدت 10 أمتار؛ مما يصعب معه بالتالي اقتحامه واختراقه، وبالتالي يعيق ويعطِّل أي عبور محتمل، إلى جانب إخفاء هذا الساتر للتحركات الإسرائيلية خلفه، وإزالة هذا الساتر بالطرق التقليدية غاية في الصعوبة كضربه بالطيران أو المدفعية، أو بإقامة كباري مائلة عليه كامتدادٍ لكباري أخرى عائمة بعرض القناة، أو بإقامة مرتفع متدرج للصعود عليه خلال القتال مع ردم جزءٍ مِن حافة القناة الشرقية ونحو ذلك، مما يستغرق وقتًا طويلًا في تنفيذه، ويؤخر بدء عبور المدرعات والدبابات والمعدات الثقيلة التي يحتاجها المشاة بشدةٍ في مواجهة مدرعات العدو، والاحتفاظ بما استولوا عليه مِن أرضٍ في المعركة.
ففاجأ المصريون العدو في أول ساعات المعركة بفتح ثغرات في الساتر الترابي بسرعةٍ غير متوقعةٍ باستخدام مضخات المياه ذات الضغط العالي التي تضخ المياه مِن قناة السويس مباشرة لإزالة رمال وأتربة الساتر وفتح الثغرات اللازمة فيه، فتم فتح عشرات الثغرات (أكثر مِن 60 ثغرة)، عرض الثغرة الواحدة نحو 6 أمتار، وإزالة نحو 3 ملايين متر مكعب مِن الرمال والأتربة والكتل الخراسانية المقامة عليها، وهي الطريقة التي ابتكرها المصريون مستفيدين مِن أعمالٍ مماثلةٍ تمتْ في الستينيات أثناء بناء السد العالي في أسوان؛ مما ساهم في سرعة إقامة الكباري والجسور، وعبور المعدات والمدرعات بكمياتٍ وأعدادٍ كبيرةٍ في أزمنةٍ قياسيةٍ فاجأت العدو وبهرته.
د- المفاجأة باستخدام الجنود لصواريخ وأسلحة مضادة للدبابات يحملها الأفراد ويستعملونها بكفاءة في التعامل مع مدرعات العدو؛ مما قلل كثيرًا مِن تفوق الجانب الإسرائيلي في المدرعات في الساعات الأولى للهجوم، حتى تمكنت المدرعات والدبابات المصرية مِن عبور القناة والمشاركة في القتال، فكانت المفاجأة في السلاح الجديد، وكفاءة المقاتل المصري في استخدامه، والروح المعنوية العالية لدى المقاتل المصري في مواجهة الدبابات والمدرعات الإسرائيلية.
2- تثبيت القوات المقاومة وتخطيها: